ليس ثمة ما هو أكثر قسوة على شعب من أن يتحول مستقبله إلى سؤال مؤجل. ولعل المأساة الفلسطينية، في أحد وجوهها الأكثر عمقاً، تكمن في أن الفلسطيني عاش عقوداً بين وعد لا يتحقق وواقع لا يستقر؛ كلما لاحت بارقة للخروج من الدوّامة، جاءت تطورات معاكسة أعادته إلى النقطة ذاتها. وهكذا لم يعد السؤال فقط: متى تقوم الدولة؟ بل أصبح، بصورة أكثر إلحاحاً وواقعية: هل نستطيع أن نبقى حتى تقوم؟
كان مسار أوسلو، في لحظته التاريخية، يقوم على افتراض أن الزمن سيقود إلى الدولة خلال سنوات قليلة. لكن الزمن لم يكن محايداً، وتحولت المرحلة الانتقالية إلى واقع مفتوح، فيما واصلت إسرائيل إعادة تشكيل الأرض والوقائع والجغرافيا. ومع انسداد الأفق السياسي، اضطر الفلسطيني إلى إعادة ترتيب أولوياته، لا التخلي عن حلم الدولة، وإنما إدراك أن الدولة التي لا تستند إلى مجتمع قادر على البقاء تصبح مجرد فكرة مؤجلة.
لهذا أصبح البقاء اليوم أكثر من موقف دفاعي؛ إنه شرط سياسي لوجود فلسطين نفسها. فالذي يفقد أرضه لا يستطيع أن يقيم دولة عليها، والذي يغادر وطنه لا يستطيع أن يمارس سيادته عليه من بعيد. ومن هنا فإن كل بيت يبقى، وكل عائلة تتمسك بمكانها، وكل شاب يختار بناء مستقبله هنا، وكل مدرسة وجامعة ومصنع ومزرعة ومؤسسة تستمر في أداء دورها، هي في مجموعها فعل سياسي طويل النفس.
لقد اعتدنا أن نرى المقاومة في صورها الأكثر صخباً، وأن نقيسها بحجم المواجهة المباشرة، بينما ثمة مقاومة أخرى أكثر هدوءاً وأبعد أثراً: أن تجعل الحياة في الوطن ممكنة، وأن تمنع تحويل الاحتلال إلى قوة قادرة على جعل المكان طارداً لأهله. أن تبقى وتتعلم وتعمل وتنتج وتبني أسرة، ليس انسحاباً من الصراع، بل استمرار فيه بأدوات الحياة نفسها.
لكن الصمود لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمعاناة. ليس المطلوب أن يتعلم الفلسطيني كيف يتحمل الفقر والبطالة والدمار إلى ما لا نهاية، فذلك استنزاف لا استراتيجية. الصمود الحقيقي هو أن نحول القدرة على الاحتمال إلى قدرة على البناء؛ أن نحول التعليم إلى مهارة، والشباب إلى طاقة إنتاج، والاقتصاد إلى فرصة، والمؤسسات إلى حماية، والأرض إلى حياة.
وهنا تبدأ مسؤولية الجميع. على منظمة التحرير الفلسطينية وجميع الأطياف الفلسطينية أن تجعل البقاء ممكناً وكريماً، لا أن تطلب من الناس الصمود بالخطابات. وتعليم جيد، وصحة، وخدمات عامة محترمة، وحماية اجتماعية، واقتصاد قادر على الحركة، ومؤسسات فعالة وعادلة؛ هذه ليست قضايا يمكن تأجيلها إلى ما بعد قيام الدولة، بل جزء من المعركة على الدولة نفسها. فحين تصبح الحياة مستحيلة، يصبح الرحيل أكثر إغراءً.
التعليقات (0)