في دراسة عن السلوك المعرفي البشري، توصل عالم النفس والأستاذ في جامعة سانت لويس الأمريكية رونالد كيلوغ إلى نتيجة لافتة، مفادها أن كتابة مقال إقناعي بسيط قد تستنزف من طاقة العقل وقدراته ما يوازي الجهد البدني الشاق الذي يبذله عامل في حفر خندق يدويا.
فالكتابة الجيدة ليست مجرد رصّ للكلمات أو تطبيق لقواعد اللغة، وإنما عملية ذهنية معقدة تتطلب استدعاء المعلومات من الذاكرة، والتعمق في الموضوع، وترتيب الأفكار، ثم صياغتها ومراجعتها وتنقيحها حتى تخرج في صورة واضحة ومتماسكة.
ولأن معظم الناس لا يخوضون يوميا تجربة شاقة كحفر الخنادق بأيديهم، فلا يبدو مستغربا أن يسارع الطلاب إلى استخدام أي أداة تقنية تعفيهم من مشقة مواجهة الصفحة البيضاء. وتشير استطلاعات أكاديمية إلى أن نسبة استخدام طلاب المدارس الثانوية والجامعات لأدوات الذكاء الاصطناعي في أداء الواجبات وكتابة المقالات تتراوح بين الثلثين و90%.
غير أن هذه السهولة التكنولوجية تثير قلقا متزايدا لدى المعلمين والتربويين؛ إذ يخشون أن يفقد الطلاب تدريجيا قدرتهم على تدريب عقولهم، وبلورة أفكارهم، والتعبير عنها في مقالات متماسكة من دون الاستناد إلى "عكازات تكنولوجية". ولا يقتصر الخطر هنا على تراجع مهارات الإملاء وقواعد اللغة، بل يمتد إلى قدرات أعمق، مثل التفكير النقدي، وتنظيم الأفكار، وبناء الحجج، والتعبير المستقل.
بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأمريكية، بدأ عدد متزايد من المعلمين في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى العودة إلى وسائل التقييم التقليدية داخل الفصول، مثل الورقة والقلم والدفاتر والاختبارات الفورية، في محاولة لضمان إنجاز الطلاب مهامهم بأنفسهم، بعيدا عن روبوتات الدردشة وأدوات الذكاء الاصطناعي.
ويبدو هذا التوجه مثيرا للاستغراب في نظر قادة قطاع التكنولوجيا في "وادي السيليكون"، مركز الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي ورأس المال الاستثماري في ولاية كاليفورنيا. ويرى بعض مسؤولي الشركات التقنية أن إبعاد الذكاء الاصطناعي عن المدارس قد يمثل ممارسة تعليمية خاطئة، لا سيما أن استخدامه في الكتابة أصبح مهارة مطلوبة في كثير من بيئات العمل الحديثة. ومن وجهة نظرهم، لا معنى لإجبار الإنسان على تحمل مشقة مهمة تستطيع الآلة إنجازها بلغة سلسة وتراكيب دقيقة.
التعليقات (0)