ليس السؤال اليوم: ماذا يفعل الاحتلال في الضفة الغربية؟ وإنما: إلى أين يريد أن يصل بهذا الفعل المتراكم؟ لأن قراءة المشهد من زاوية الاقتحامات والمداهمات والاستيطان ومصادرة الأراضي وحدها قد تخفي التحول الاستراتيجي الأعمق، وهو الانتقال من إدارة الاحتلال إلى هندسة السيطرة، ومن السيطرة العسكرية إلى إنتاج السيادة. فالضفة لا يجري التعامل معها كساحة أمنية مؤقتة، بل كحيز جغرافي يجري تفكيكه وإعادة تركيبه وفق معادلة تجعل الوجود الفلسطيني أكثر كلفة، والاستيطان أكثر رسوخًا، والحركة الفلسطينية أكثر انقطاعًا.
وهنا تصبح المستوطنة نقطة ارتكاز، والطريق الاستيطاني شريانًا استراتيجيًا، والحاجز أداة لإعادة توزيع المجال، والجيش مظلة أمنية، والقانون الإسرائيلي وسيلة لتحويل الأمر الواقع إلى أمر قانوني داخلي. ولذلك، فإن ما يجري هو مشروع ضم فعلي لا يحتاج بالضرورة إلى لحظة إعلان واحدة، لأن الضم الأكثر خطورة هو الذي يحدث تدريجيًا حتى يصبح الإعلان السياسي مجرد ختم على واقع سبق أن صنعته الجرافات والطرق والمستوطنات والخرائط.
وتبدو المنطقة ج بصورة خاصة مختبرًا لهذا التحول، إذ تتشكل فيها معادلة تقوم على تفريغ المجال الفلسطيني من شروط الاستقرار، ثم إعادة ملئه بالبنية الاستيطانية.
وهذا ما يجعل الاستيطان أقرب إلى استراتيجية إحلال جغرافي منه إلى توسع عمراني، فالسيطرة على التلال ومصادر المياه والمراعي والممرات ليست تفاصيل محلية، بل عناصر في بناء عمق إقليمي إسرائيلي داخل الضفة. وقد التقطت عميرة هاس في «هآرتس» هذه الآلية من زاوية مختلفة حين ربطت بين الهدم والقيود والعنف الاستيطاني وبين دفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم. أما جيدعون ليفي فقد ذهب أبعد في توصيف التحول عندما تحدث عن انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة من التهجير، وهو توصيف يستحق التوقف عنده لأنه ينقل النقاش من سؤال المستوطنات إلى سؤال إعادة تشكيل السكان. وإذا أخذنا هذه القراءة مع المعطيات الميدانية، فإننا أمام استراتيجية ضغط مركب تقوم على جعل البقاء الفلسطيني ممكنًا من الناحية النظرية، لكنه مكلف ومستنزف من الناحية العملية.
والسيناريو الأول الذي يمكن استشرافه هو سيناريو الضم الزاحف، وهو في تقديري السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب والمتوسط. لن تعلن إسرائيل بالضرورة ضم الضفة كلها دفعة واحدة، بل ستوسع نطاق السيادة الإسرائيلية الواقعية من خلال تحويل الصلاحيات المدنية إلى مؤسسات إسرائيلية، وتوسيع مناطق نفوذ المستوطنات، وربط الكتل الاستيطانية بشبكة طرق استراتيجية، وتشديد السيطرة على المنطقة ج، وتثبيت واقع جديد حول القدس ومنطقة E1.
وفي هذه الحالة ستنشأ خريطة هجينة تكون فيها إسرائيل صاحبة المجال المتصل، بينما يتحول الفلسطينيون إلى جيوب سكانية متفرقة ترتبط ببعضها عبر ممرات خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وهذا السيناريو لا يلغي السلطة الفلسطينية بالضرورة، بل قد يبقيها بوصفها طبقة إدارية محدودة الصلاحيات تعمل داخل فضاء تتحكم إسرائيل في حدوده وأمنه وموارده. وهنا يتحول مفهوم السلطة من مشروع سيادي إلى وظيفة إدارية داخل نظام أوسع للسيطرة.
التعليقات (0)