يُعد الفنان الراحل جواد سليم علامة فارقة في تاريخ الفن التشكيلي العربي، حيث لم يكتفِ بكونه نحاتاً بارعاً، بل أرسى دعائم الحداثة التشكيلية في العراق. ارتبط اسمه بشكل وثيق بالعاصمة بغداد من خلال تصميمه لنصب الحرية الشهير في ساحة التحرير، والذي بات رمزاً وطنياً وبصرياً يتجاوز حدود الفن ليصبح جزءاً من الهوية السياسية والاجتماعية للبلاد.
وُلد سليم في عام 1919 بمدينة أنقرة التركية لعائلة عراقية عُرفت بشغفها الفني الكبير، حيث كان والده رساماً ووالدته تمارس فن التطريز. هذا المناخ العائلي الخصب ساهم في بروز موهبته مبكراً، مما دفعه لاحقاً لصقل مهاراته عبر دراسة الفن في كبرى العواصم الأوروبية مثل باريس وروما، وصولاً إلى مدرسة سليد للفنون الجميلة في لندن عام 1946.
بعد عودته إلى بغداد، حمل سليم رؤية فنية طموحة تهدف إلى دمج تقنيات الرسم الأوروبي الحديث مع عمق التراث الرافدي القديم. عمل في المتحف العراقي وتولى رئاسة قسم النحت في معهد الفنون الجميلة، مما أتاح له فرصة التأثير المباشر في الأجيال الصاعدة من الفنانين العراقيين وتوجيههم نحو استلهام الجذور التاريخية.
شهد عام 1951 محطة مفصلية في مسيرته حين شارك في تأسيس 'جماعة بغداد للفن الحديث'، وهي حركة فنية سعت لربط الفن العراقي القديم بروح القرن العشرين. كانت الجماعة تهدف إلى منح الرموز الشعبية حضوراً ثقافياً قوياً في اللوحة الحديثة، محولةً تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى عناصر تحمل دلالات فلسفية وجمالية عميقة عن المكان.
تعتبر لوحة 'بائعة البطيخ' التي أنجزها سليم في عام 1953، واحدة من أبرز تجليات مشروعه الفني الذي يمزج بين الواقعية والرمزية. تُظهر اللوحة امرأة ترفع ذراعيها نحو السماء في مشهد يوحي بالاحتفاء بالحياة، بينما تتناثر أمامها أنصاف ثمار البطيخ الحمراء فوق خلفية مزخرفة بخطوط هندسية وألوان دافئة يطغى عليها الأصفر والفيروزي.
المشهد في اللوحة ليس مجرد توثيق لسوق شعبي بغدادي، بل هو تركيب بصري معقد يربط بين حرارة الواقع ورموز الخصوبة والنماء. يرى النقاد أن رفع المرأة لثمرة الأرض نحو الأعلى يمنح العمل صبغة طقوسية، حيث تتجاور المادة مع الرمز في تكوين هندسي يعيد بناء الواقع المحلي بلغة تشكيلية عالمية وحديثة.
التعليقات (0)