يبحث بعض المحللين السياسيين العرب «بالميكروسكوب» عن أي شيء يُميز السياسات الأميركية عن الإسرائيلية، وعندما يعتقدون أنهم وجدوه، يَضخمونه ويحملونه الكثير من المعاني، بحيث يبدو للسامع أن ثمة اختلافاً حقيقياً بين سياستي الدولتين.
ومن أمثلة ذلك احتفاؤهم بانتقاد ترامب لطريقة إدارة نتنياهو للحرب في لبنان، على الرغم من وصفه إياه بأنه «رئيس وزراء حربي عظيم»، أو بقول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل، وإن الولايات المتحدة هي الحليف القوي الوحيد المتبقي لها.
لكن الحقيقة التي لا يُمكن إنكارها مهما قال المسؤولين الأميركيون ساطعة كالشمس هي: أميركا هي التي تزود إسرائيل بكل وسائل حرب الإبادة التي تقوم بها في فلسطين ولبنان، وهي التي تحميها سياسياً في العالم، وهي من يُبقيها متفوقة عسكرياً على جميع دول الشرق الأوسط، والأهم من كل ذلك، أن أميركا هي من تخلت عن مبدأ الأرض مقابل السلام، وهي من يمارس الضغط على العرب وتغوي بعضهم الآخر للتطبيع مع إسرائيل، وهي التي تعتبر الاستيطان الإسرائيلي شرعياً، وهي التي قدمت القدس والجولان هدية لإسرائيل، وهي من تبنى المشروع الإسرائيلي في غزة تحت مسمى خطة سلام ترامب، وهي التي ساعدت إسرائيل على إلغاء عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية، وهي من تبرر الهجمات الإسرائيلية اليومية في فلسطين ولبنان وسورية، وأخيراً، هي التي نفذت ما تريده إسرائيل بإعلان الحرب على إيران متجاهلة مصالح كل الدول العربية مُجتمعة والتي كانت ولا تزال المتضررة الكبرى من هذه الحرب. أخبار ذات صلة هكذا تنهزم أمريكا وإسرائيل إكونوميست: حرب الخليج أضعفت اثنين من حلفاء أمريكا العرب
هذا لا يعني عدم وجود خلافات بين واشنطن وتل أبيب. فقد تختلفان حول توقيت عملية عسكرية، أو طريقة إدارة الحرب، أو الكلفة التي ينبغي أن تتحملها أميركا دفاعاً عن إسرائيل. لكنها خلافات لا تمس جوهر العلاقة بينهما: حماية إسرائيل، وضمان تفوقها العسكري، ومنع إخضاعها للقانون الدولي أو إرغامها على إنهاء احتلالها. والمشكلة ليست في ملاحظة هذه الخلافات، بل في تحويلها إلى دليل على وجود تعارض بين الدولتين، ثم بناء السياسات على هذا الوهم.
لذلك يبدو غريباً أن يتم البحث عما يُميز أميركا عن إسرائيل في الوقت الذي تصرخ فيه الحقائق أن جميع سياسات أميركا في الشرق الأوسط هي سياسات إسرائيلية.
لكن هذه الغرابة تختفي إذا أدركنا الأسباب التي تدفع العرب الرسميين ومن يدور في فلكهم للبحث عن تمايز بين الدولتين.
التعليقات (0)