راودني هذا الصباح سؤالاً بينما كنت أمضي في أروقة المكتبة، أتنقّل بين رفوف الكتب: ما الذي يجعل بلدًا ما حاضر في ذاكرة العالم؟ قد يقول قائل: السينما والمسلسلات التي تقدمها هذه البلد، وآخر يقول التاريخ، وآخر قد يقول الأدب والثقافة.
لدينا في فلسطين مراكز ثقافية تحتضن الفعاليات، ومكتبات ومساحات تستضيف الأدباء والفنانين، ولدينا حفنة من المبدعين الذين يكتبون ويرسمون ويعزفون ويصنعون من ضيق الإمكان فسحةً للدهشة، ولدينا مبادرات ثقافية تحاول أن تفتح نافذة في جدار المشهد، وكل ذلك يستحق التقدير، لأنه يعني أن شعلة الثقافة لم تنطفئ، وأن ثمة من لا يزال يحرص على إبقاء هذا المصباح مشتعلاً.
لكن السؤال الذي يستحق أن نضعه على الطاولة: هل يكفي أن تكون لدينا فعاليات ثقافية متفرقة كي تكون لدينا حالة ثقافية متكاملة؟
هنا تبرز أهمية المراكز الثقافية التي تُعدّ ملاذاً للمبدعين ومنابت للأفكار، فهي مساحة الكاتب الشاب قبل أن يعرفه أحد، والفنان الذي يبحث عن منصته الأولى، والقارئ الذي يريد أن يجد صحبته، والطفل الذي قد يكتشف في ورشة صغيرة موهبته التي سترافقه أعوامًا طويلة.
إن حاجتنا اليوم لا تكمن في زيادة عدد الفعاليات فحسب، بل إلى تطوير مفهوم المركز الثقافي نفسه، من خلال تقديم برامج موسمية ودورية، مراكز للكتابة والفنون، نوادٍ للقراءة، مسابقات للمواهب الناشئة، معارض متنقلة بين المدن، أرشيف رقمي يوثّق الإنتاج الثقافي الفلسطيني ويحفظه للأجيال، دعم السينما والأفلام الوثائقية القصيرة، وتسهيل وصولها إلى منصات البث العالمية، فالصورة اليوم السلاح الأسرع في معركة الوعي. والأهم أن تتوزع هذه المساحات جغرافيًا، فلا تبقى الخريطة الثقافية محكومة بمدن محددة.
وفي هذا السياق، يمكن للمؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة، أن تؤدي دور يتجاوز رعاية الفعاليات إلى بناء منظومة لاكتشاف المبدع واحتضانه ومتابعة مسيرته، جوائز سنوية أو دورية في الرواية والشعر والفن والترجمة، مِنَح للمشروعات الثقافية، برامج إقامة للكتّاب والفنانين، الدعم في ترجمة الأعمال المبدعة، صناعة "سفراء للثقافة"، وتنظيم أسابيع ثقافية فلسطينية في مختلف المحافظات، وامتدادها إلى العواصم العربية بما يعزز حضور الثقافة الفلسطينية ويُوسّع دائرة تأثيرها.
التعليقات (0)