تعود معرفتي الشخصية بالشهيد أبو علي مصطفى إلى مُفتتح ثمانيات القرن الماضي، بيد أن معرفتي السياسية والفكرية به، تعود لسنوات طوال قبل ذلك، وقد حرصت على تتبع "سيرته الذاتية"، من نشأته في عرابة، لأسرة فلاحية بسيطة، وانتقاله إلى عمان، وانخراطه المبكر في حركة القوميين العرب، ودخول سجن الجفر الصحراوي إثر احتجاجات شعبية ضد "حلف بغداد"، مروراً بتأسيس الجبهة الشعبية في مختتم عام الهزيمة (1967)، وما تلاها من انشقاقات "القيادة العامة 1968، الديمقراطية 1969، والثورية 1972"، وبقية القصة المعروفة.
ذهبت إلى مكتبه الكائن على تخوم "الكولا" و"الفاكهاني"، أسفل بناية الزهيري، وقد تكرست في ذهني صورٌ عدة للرجل: عصامي إلى أبعد الحدود، صعد السلم القيادي من أسفل درجة، شق طريقه بين مثقفي اليسار والقوميين العرب، بأدواته لكفاحية والميدانية الخاصة، وخلفيته "التعليمية" المتواضعة، رجل شديد المراس، لا تأخذه في الحق لومة لائم، صلب وعنيد، مُعتَدٌّ بنفسه وجبهته، عبارته الأثيرة على قلبه: "خطوة عملية واحدة خير من دزينة برامج".
أما في "تصنيفات" ذلك الزمان، فلطالما عُدّ وبعضٌ من مُجايليه، بأنهم رموز "اليمين الوطني المقاتل"، غير المعيق، وغير المعرقل، لمسارات تحول الجبهة من حضانة "القوميين العرب" إلى خنادق اليسار المقاتل، الماركسي – اللينيني، أو هكذا كان الحكيم جورج حبش، ينظر إليهم ويصنفهم بالضد من أطروحتي الجبهتين الديمقراطية والثورية (الأخيرة لم تعمر طويلاً) ...اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على تلك السجالات، نعود بعقل بارد، وبأثر رجعي للقول: بأن الحكيم كان مصيباً والأخرين كانوا على خطأ، أقله في حالة شهيدنا الكبير.
كان الرجل قد عاد للتو من لقاء عاصفٍ في بغداد، مع الزعيم العراقي الذي لم يعتد هذا النوع من اللقاءات، بسبب شخصيته "الطاغية"، سيما حين يكون محاوره، قائد فصيل أو حزب، فما بالك بأبي علي مصطفى، الذي كان يحمل "الرقم 2" في هرم قيادة الجبهة الشعبية ... أبو علي استشعر حرج خطاب الإملاءات الذي نطق به صدام حسين، مطالباً الجبهة بإدانة الثورة الإيرانية، وهي التي رحبت بها واعتبرت اندلاعها، انتصاراً لفلسطين، محاولاً تقطيع روابط العلاقة بين الجبهة ونظام حافظ الأسد، ساخراً من تشكيل "جبهة الصمود والتصدي" متقرباً من عمان والرياض وصنعاء، حيث كانت "الشعبية" تصطف في الخندق المقابل لهذه العواصم...لم ترتجف فرائص الشهيد، حتى وهو يدرك أنه قد يدفع حياته ثمناً لذلك، وربما في حادث سير مدبر، وفي أقل تقدير، ستدفع الجبهة ثمناً باهضاً لقول "لا كبيرة" لمن لم يعتد على الاستماع لمثلها.
وبالفعل، لم تنقض سوى ساعات قلائل على ذاك اللقاء/المجابهة، حتى صدرت عن مجلس قيادة الثورة العراقي، قرارات بإغلاق مكاتب الجبهة، وطرد 32 من كوادرها (وعائلاتهم) من العراق، والحجز على ممتلكاتها وأرصدتها، وإلغاء اتفاقات توريد السلاح والمال، التي كانت مبرمة بين الجانبين ... رغم الثمن الكبير الذي دفعته الجبهة، بنتيجة ذاك اللقاء، إلا أن الرجل اكتسب احتراماً واسعاً في أوساط قادتها وكوادرها عموماً، وستتكرس صورة أبو علي من بعده، بوصفه الرجل الذي لا يهادن على استقلالية قرار الجبهة وكرامتها، ولا يعرض مواقفها وتحالفاتها في "بازار" المزايدات والمناقصات، حتى وإن كان الطرف الآخر، زعيم بحجم وهيبة وسطوة صدام حسين.
ظننت أن تلك الواقعة، تفتح باب "المُشتركات" التي بحثت عنها لبدء حديثي مع الرجل، فقد كانت لدي في حينها مواقف شديدة العدائية لنظامي البعث في العراق وسوريا، ولأسباب تتصل أساساً بطبيعتهما السلطوية، وعدم تردد أجهزتهما في تصفية الخصوم والمعارضين، من أبناء جلدتنا اليسارية ... قبلها بأشهر معدودات، وجدتُني محمولاً على أكتاف بعض الأصدقاء في تشييع جثمان الصحفي "خالد العراقي" الذي اغتالته أجهزة المخابرات العراقية امام صحيفة "فلسطين الثورة"، الناطقة باسم منظمة التحرير، التي كان يعمل سكرتيراً لتحريرها...يومها لم أجد ما "أهتف" به، فلم أكن على استعداد لتلك المهمة، إلى أن تذكرت أن هناك اغتيالاً آخر قد وقع في طرابلس، وعلى يد "بعث آخر"، سيذهب ضحيته القائد الشيوعي اللبناني البارز أحمد المير الأيوبي، وبفارق أيام عن الاغتيال الأول، وعلى يد المخابرات السورية هذه المرة، تناولت المايكروفون" وقلت بأعلى الصوت وأشد الحماسة: "خالد وأحمد المير...ضحايا البعث الأجير"، ليردد المشيّعون صدى الهتاف، ويستفزون فصيلين فلسطينيين محسوبين على بغداد ودمشق، لاعتراض الجنازة، وهما اللذان لم يتفقا من قبل على موقف أو فعل واحد، ولولا تدخل "الأمن المركزي" وتعليمات صارمة من الشهيد "أبو الهول" بحماية المُشيعين، لربما وقعت مجزرة في الطريق إلى "مقبرة الشهداء".
التعليقات (0)