أطنان من المتفجرات، وآلاف الصواريخ، نزلت كالمطر فوق أحياء غزة ، فسَوّت البيوت بالأرض، وحوّلت شوارع كاملة إلى أنقاض. مئات الدبابات داست بجنازيرها الشوارع الرحبة، فاقتَلعت إشارات المرور وأعمدة الكهرباء والهاتف، كما دمرت المدارس والمستشفيات ودور العبادة ،وعشرات الجرافات الضخمة غرست أسنانها في الأرض، واقتلعت أشجار النخيل التي كانت تزيّن شارع الرشيد على امتداد هذا البحر الفيروزي، حيث تجوب زوارق الاحتلال المياه وتطلق نيران رشاشاتها وقتما تشاء. المقاهي والمطاعم، الساحات الخضراء، ملاعب الأطفال، مدارسهم ورياضهم، مقاعدهم وألعابهم، كلها غدت تحت الركام.
لكن خلف هذا الركام حكاية أثقل من أن تختصرها صور الدمار.
غزة لم تمت، لكنها تنزف. وجعها ليس حجراً مهدماً ولا شارعاً ممزقاً، بل إنساناً بقي واقفاً ينتظر موته وسط كل هذا الخراب، يحمل ما لا يستطيع القلب احتماله.
في غزة، لكل شهيد حكاية كانت تستحق أن تستمر. طفل كان له مقعد ينتظره في المدرسة، وحقيبة معلقة خلف باب البيت، وأم تناديه كل صباح كي لا يتأخر لكنه ذهب ولم يعد ، فتاة كانت تخبئ أحلامها الصغيرة للمستقبل، وشاب كان يرسم لنفسه طريقاً بين العمل والزواج وبناء بيت، ورجل كان يعود في المساء حاملاً لأطفاله شيئاً بسيطاً يفرحهم. ثم جاءت الحرب، وفي لحظة واحدة انقطع الطريق، وسقطت الحياة من يد أصحابها .
هناك أمّ لم تعد تنتظر صوت المفتاح عند الباب، وأبٌ ما زال، رغم كل شيء، يلتفت كلما سمع صوتاً يشبه صوت ابنه. هناك طفل ينام وهو يحتضن صورة أبيه، وطفلة تسأل عن أمها ولا تفهم لماذا يطول الغياب. وهناك عائلة لم يعد ينقصها فرد واحد، بل غاب منها البيت نفسه؛ غابت أصواته، وضحكاته، ووجوهه، وطقوسه الصغيرة التي كانت تمنح الأيام معناها.
بعض الناجين لم ينجوا حقاً من الحرب ، نجوا بأجسادهم، لكنهم تركوا خلفهم جزءاً من أرواحهم تحت الركام. يحملون أسماء من فقدوا، ويتذكرون آخر نظرة، وآخر كلمة، وآخر صباح كان البيت فيه ممتلئاً بالحياة. يمضون في الشوارع، يأكلون ويشربون ويتحدثون ويحاولون العمل، لكن شيئاً عميقاً في داخلهم توقف في تلك اللحظة التي فقدوا فيها أحباءهم.
التعليقات (0)