طشقند- في قاعات فسيحة بمبنى تعانق قبته السماء وتضاهيها في زرقتها، ترقد آلاف التحف والقطع الأثرية والوثائق الحافلة بقرون من تاريخ الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وتروي فصولا من نهضة شعب مزج بين ثقافة آسيا الوسطى وما وصله من ثقافة العرب منذ القرن السابع الميلادي، وصهرهما في بوثقة فريدة لُحمتها الإسلام.
من الخارج تكسو جدرانَ مبنى مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان (يقع في العاصمة طشقند) زخارف بالخط العربي، وتحيط به ساحة وحديقة فسيحتان يأوي إليهما سكان المدينة بعد أن تتوارى الشمس إلى مرقدها، وعلى بعد عشرات الأمتار منه تتطاول إلى السحب منارات مجمع حضرة الإمام، وهو مجموعة مبان تاريخية يقول مرشدنا أثناء زيارتنا لها إنها تشكل مقاما يخلد ذكرى العالم والولي الصالح أبو بكر القفال الشاشي (عاش في القرن العاشر الميلادي) وكانت طشقند من قبل تسمى بسببه مدينة "شاش".
كل شيء في هذا المتحف -الذي يضم نحو ثمانية آلاف قطعة وتحفة ويتبع مركز الحضارة الإسلامية- يتضافر ليروي فصولا من تاريخ "بلاد ما وراء النهر"، كما كانت تسمى هذه المنطقة من قبل. الحجر والطين والخشب والورق والمعادن والخزف والقماش، كلها تتجاور هنا ليروي كل منها قصصا من تاريخ شعب أوزبكستان منذ كان أسلافه يعيشون في الكهوف ويدونون قصصهم رموزا على صخورها.
تتزاوج بين جدران هذا "الديوان التاريخي" التقنيات الحديثة والتحف القديمة، فإلى جانب نقود مسكوكة من البرونز والنحاس، تجد جِرارا طينية وأواني خزفية وحليا وجواهر، وسيوفا قديمة وأسلحة تقليدية، وآلات موسيقية وأجزاء من تماثيل، ولوحات فسيفساء ومنمنمات ومجسمات لشخصيات تاريخية أو لحرف تقليدية قديمة.
ولا تكتمل فائدة هذه التحف التي تعود إلى العصور الغابرة إلا بتقنيات حديثة من العروض ثلاثية الأبعاد والشاشات التفاعلية التي تنطق نيابة عن هذه القطع الجامدة وتترجم ما تكتنزه من قيمة تاريخية إلى نصوص وفيديوهات تشرح مضامينها لنحو 5000 آلاف شخص يزورون هذا الصرح كل يوم، نحو 90% منهم سكان محليون والباقي سياح وزوار من خارج البلاد، حسب ما أفاد به الجزيرة نت المرشد في المتحف سوبتجون أوريبوف.
تجولنا مع أوريبوف في هذا المتحف، الذي يمتد على مساحة 7000 متر مربع، ويضم 5 قاعات رئيسية للعرض، إحداها سميت قاعة القرآن الكريم، وتعرض مخطوطات نادرة لمصاحف خطتها أيدي بعض الشخصيات التي طبعت تاريخ البلاد، وأخرى تعرض مقتنيات وبقايا من حضارات ما قبل الإسلام، فيما تجسد الثالثة فترة النهضة الأولى لأوزبكستان وآسيا الوسطى (من القرن 9 إلى القرن 13 ميلادي)، والرابعة توثق لفترة النهضة الثانية، أو ما يعرف أيضا بالنهضة التيمورية (من القرن 14 إلى القرن 16 ميلادي).
التعليقات (0)