على مقربة من البلدة القديمة لسراييفو، قصة تاريخ للمقاومة العظيمة، وقد كانت حكايتها ملء السمع والبصر، وكنت أتحين الوقوف على معالمها منذ ثلاثة عقود، فبدأت معالم الذكرى بمقبرة الشهداء، ثم وقفت عند ضريح علي عزت بيغوفيتش، الذي توسط شعبه والشهداء حيا وميتا، رحمهم الله جميعا.
قرأت الفاتحة ودعوت لهم، وهنا تُستذكر كل مذابح البوسنة في قصف الإرهاب الصربي على سراييفو، وفي خيانة الفرقة الهولندية ذات القبعات الزرق للأمم المتحدة، وفي سيل الدماء للأطفال والمدنيين من قلب العاصمة، إلى رفات الشهداء في سربرنيتسا.
لكن تاريخ المقاومة في البوسنة كان له سجل آخر في ملحمة الصمود؛ هذا السجل، شاءت أوروبا أم أبت، عنوان سفره العظيم: الفيلسوف المقاوم، الذي قدم لها درسا في معنى القيم الإنسانية الحقيقية، التي تقوم على عقيدة الروح ومسؤولية الضمير في الذات المسلمة.
تواردت علي الخواطر بعد أن كتبت قديما عن بيغوفيتش من بعد، وكان من أشهر ما كتبته مقالة الجزيرة القديمة: (لماذا انتحر إنسان نيتشه وانتصر إنسان بيغوفيتش؟).
أما اليوم فأنا أمام معالم سيرته، وبقرب متحفه ومتحف الإبادة، وهنا يبرز الجانب الآخر من الحكاية، وهي فلسفة بيغوفيتش الإسلامية، وقد كنت عدت إليها وأنا أواصل التحرير في مواد الفلسفة الأخلاقية الإسلامية: كيف صنعت نموذجها في قلب أوروبا، فهل يسمع العقل الأخلاقي الغربي لهذا النموذج؟
إن ما أطرحه اليوم في المزج بين نموذج بيغوفيتش ومحاور البيان الفكري للفلسفة الأخلاقية الإسلامية، مختلف عن تقديم تاريخ الرئيس الفيلسوف السياسي؛ فهذا التاريخ العظيم في قيادة صمود سراييفو علامة فارقة في تاريخ الأخلاق في الحروب، لكنه، في حالة بيغوفيتش، دلالة فارقة في قصة الدين والروح التي صنعت أفكاره منذ معتقل الشيوعيين، ثم حين أعلن البيان الإسلامي لقصة الوجود في هذا العالم.
التعليقات (0)