القول إن العقوبات لا تسقط الأنظمة يصلح لوصف بعض التجارب التاريخية، لكنه لا يصلح قاعدة سياسية عامة. إيران اليوم تواجه معادلة مختلفة عما واجهته طوال العقود الماضية، فالعقوبات تأتي هذه المرة إلى جانب حصار بحري شديد، وضغط على صادرات النفط، وتجفيف متزايد لمصادر العملة الصعبة، وعقوبات ثانوية تستهدف الأطراف التي تتعامل معها، فيما يواجه المجتمع الإيراني تراجعا حادا في قدرته على الشراء. وهذه النقطة الأخيرة قد تكون أهم من أرقام التضخم وسعر الريال نفسه.
يستند أصحاب مقولة "العقوبات لا تسقط الأنظمة" إلى العراق وكوبا وكوريا الشمالية، حيث استطاعت أنظمة سياسية البقاء سنوات طويلة تحت العقوبات، وطورت وسائل للالتفاف عليها، أو نقلت كلفتها إلى المجتمع. لكن العقوبات لا تعمل بالطريقة نفسها في كل الحالات، والأنظمة تختلف في قدرتها على الاحتمال، كما أن أثر العقوبات يتغير عندما تتزامن مع حرب أو حصار أو أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة.
العراق مثال واضح. العقوبات التي فرضت بعد غزو الكويت عام 1990 لم تسقط نظام صدام حسين، لكن النظام لم يخرج منها بالقدرة نفسها التي دخل بها إليها. تراجعت موارد الدولة، وتدهورت أوضاع المجتمع، وظهرت اضطرابات وتصدعات داخل دوائر الحكم، ثم جاءت حرب 2003 لتضع النهاية للنظام.
لذلك لا يصح القول إن العقوبات أسقطته، كما لا يصح تجاهل أنها كانت جزءا من مسار أضعف الدولة والنظام قبل الحرب.
وفي جنوب أفريقيا اجتمعت المقاومة الداخلية مع الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية والمالية، وبدأت قطاعات من النخبة ترى أن كلفة استمرار النظام أصبحت مرتفعة. لم تكن العقوبات العامل الوحيد، لكنها ساهمت في تغيير الحسابات السياسية.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي طرحه بشأن إيران: ماذا تفعل العقوبات عندما تأتي فوق نظام يواجه أصلا ضغوطا عسكرية واقتصادية، وتضيق في الوقت نفسه منافذه إلى التجارة والتمويل والطاقة؟
التعليقات (0)