في الضفة الغربية لم يعد السؤال فقط عن مدى حضور الحملات الانتخابية على المنصات الرقمية، بل عن مدى قدرتها على لمس واقع الناخب الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي يومي ومسؤوليات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي. في هذا السياق، يصبح التمييز بين الإعلان الممول والمنشور العادي مسألة أقل أهمية مما يعتقده القائمون على الحملات، لأن الناخب لم يعد يقيم الرسالة بناءً على شكلها، بل على قدرتها على التعبير عن واقعه الفعلي.
الناخب اليوم لا يسأل إن كان هذا الإعلان ممولًا أم لا، بل يسأل بشكل غير مباشر: هل هذا المرشح يفهم ما أعيشه؟ هل يتحدث بلغتي أم بلغة بعيدة عن تفاصيل حياتي اليومية؟ هنا يتحول الإعلان من أداة تأثير إلى اختبار مصداقية، لأن كثافة الإعلانات لم تعد تعني قوة الحملة، بل قد تعكس أحيانًا انفصالها عن الواقع؛ عندما يشعر الناخب أن الرسائل مكررة أو عامة أو مستوردة من نماذج تسويقية لا تشبه البيئة المحلية.
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة في الضفة الغربية يتراجع تأثير الشكل لصالح المضمون، الناخب الذي يواجه تحديات تتعلق بالعمل والدخل والخدمات لا يتفاعل مع خطاب إنشائي، حتى لو كان مصوغًا باحترافية عالية، بل يبحث عن إشارات حقيقية تدل على فهم المرشح لهذه التحديات، وهذا ما يجعل كثيرًا من الحملات الرقمية تبدو كأنها تدور في فراغ، لأنها تركز على الظهور أكثر من التركيز على بناء علاقة حقيقية مع الجمهور.
المشكلة ليست في استخدام الإعلانات الممولة بحد ذاتها، بل في طريقة توظيفها، كثير من المرشحين ما زالوا يتعاملون مع المنصات الرقمية كلوحات إعلانية تقليدية يتم فيها عرض الشعارات والوعود، دون إدراك أن هذه المنصات تقوم على التفاعل والحوار وبناء الثقة على المديين القصير والطويل، هذا الاستخدام السطحي يجعل الناخب لا يشعر بقرب المرشح منه، بل على العكس قد يعزز شعوره بأن الخطاب موجه له بشكل اصطناعي، وليس نابعًا من فهم حقيقي.
في المقابل، عندما ينجح مرشح في استخدام المنصات بطريقة تعكس فهمًا للسياق المحلي، ويقدم محتوى يتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية، ويظهر تفاعله مع الناس بشكل مباشر، يصبح الفرق واضحًا حتى لو لم يكن حجم إنفاقه الإعلاني كبيرًا، هنا لا يعود الإعلان هو العنصر الحاسم، بل طريقة بناء العلاقة الرقمية التي تتجاوز فكرة البيع السياسي إلى خلق شعور بالتمثيل.
ما يحدث فعليًا أن جزءًا من الناخبين في الضفة الغربية أصبح أقل حساسية تجاه الإعلانات الممولة بحد ذاتها، وأكثر حساسية تجاه مصداقية المحتوى، هذا التحول يعكس نضجًا نسبيًا في سلوك المستخدم الرقمي، لكنه في الوقت ذاته يكشف فجوة لدى كثير من المرشحين الذين لم يطوروا بعد استراتيجيات رقمية تتناسب مع هذا الوعي الجديد.
💬 التعليقات (0)