في 24 مايو/أيار 1970، بدأ مهندسون سوفيات مشروعا علميا طموحا في شبه جزيرة "كولا" شمال غربي روسيا، بهدف الحفر عميقا في قشرة الأرض وكشف ما تخفيه طبقاتها. وبعد أكثر من عقدين من العمل المتقطع، أصبح المشروع واحدا من أعظم تجارب استكشاف باطن الأرض، بعدما وصل الحفر إلى عمق 12262 مترا، وهو الرقم الذي لا يزال يمثل أعمق بئر رأسية حفرها البشر.
لكن المفاجأة لم تكن في العمق وحده، بل فيما كشفته الصخور والحرارة عن باطن كوكبنا، وهي بيانات يعود العلماء اليوم إليها بحثا عن مصدر محتمل لطاقة المستقبل.
حمل المشروع اسم البئر فائقة العمق "إس جي-3" (SG-3)، ولم يكن هدفه الأساسي إنتاج الطاقة أو استخراج مورد اقتصادي، وإنما دراسة بنية القشرة القارية والعمليات الجيولوجية التي تحدث في أعماقها. واستمر الحفر حتى عام 1992، عندما اصطدم العلماء بحدود الحرارة والتقنية والتمويل.
وخلال الرحلة إلى الأعماق، عبَر الحفر طبقات صخرية احتوت على النحاس والنيكل والمغنيتيت، ووصل إلى صخور يعود عمر بعضها إلى نحو 2.5 مليار سنة. كما عثر الباحثون على أحافير لكائنات مجهرية، وهو اكتشاف مفاجئ لأن وجود آثار حياة قديمة على هذا العمق لم يكن متوقعا. وأظهرت العينات أيضا أن باطن القشرة أكثر تعقيدا ونشاطا من التصورات السابقة.
كان العامل الحاسم في نهاية المشروع هو الحرارة، فقد بلغت درجة الحرارة في قاع البئر نحو 212 درجة مئوية، وهي أعلى بكثير مما توقعه المهندسون عند التخطيط للحفر. ومع ارتفاع الحرارة، بدأت الصخور في الأعماق تتصرف بطريقة مختلفة، فأصبحت أكثر ليونة وتدفقت تدريجيا لتغلق أجزاء من البئر، ما جعل مواصلة الحفر أمرا بالغ الصعوبة.
وكان الهدف الأصلي الوصول إلى عمق 15 كيلومترا، كما كان العلماء يأملون في الوصول إلى منطقة "موهو" التي تمثل الحد الفاصل بين القشرة الأرضية والوشاح. لكن البئر لم تصل إليها.
التعليقات (0)