غزة– تحت سقف خيمة تهتز مع كل غارة، وفي مساحة تضيق على ساكنيها، كانت الكاتبة والأخصائية الاجتماعية نعمة حسن تمسك بهاتفها المحمول. لم تكن تكتب مشروعا أدبيا معدا سلفا لتنشره بعد انتهاء الحرب، بل كانت تدون لحظات الخوف، والنزوح، والموت العشوائي لتنجو بذاكرتها وهي في قلب الحدث.
من تراكم هذه التدوينات الشخصية التي كُتبت عبر "فيسبوك" بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و6 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وُلد كتاب "جدران من قماش: العام الأول من الإبادة"، ليشكل شهادة حية من داخل الجحيم، تتداخل فيها الأخبار العاجلة بملخصات المآسي، والغضب العارم بنصوص الشعر.
تجاوز حضور ابنة مدينة رفح في فضاء التواصل الاجتماعي حدود التعبير عن تجربتها الفردية، لتؤدي بتلقائية تامة دور "المواطِنة الصحفية". كانت تلتقط تفاصيل المأساة وتنقذها من النسيان لتنقلها لنحو 49 ألف متابع من قلب النار.
هذا التوثيق اللحظي منح منشوراتها قيمة تاريخية تتجاوز الذاكرة الانتقائية؛ فمنذ الساعات الأولى للسابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شرعت في رصد أجواء الصدمة، لتدوّن في الخامسة وسبع دقائق مساءً: "السابع من أكتوبر: 150 شهيدا فلسطينيا. 100 قتيل للعدو. 1000 مصاب فلسطيني. 1000 مصاب للعدو. 50 أسيرا للعدو".
ومع اشتداد القصف في اليوم ذاته، توالت تحديثاتها لتنقل هول اللحظة: "ما زال صوت القصف يأتي من كل مكان، ليلة طويلة جدا والقصف مستمر". وعندما ألقت طائرات الاحتلال آلاف الأطنان من المتفجرات، اختصرت الكارثة في منشور مقتضب يقطر دما: "مجزرة في جباليا".
لم تحلّق يوميات نعمة في فضاء المأساة العامة فحسب، بل هبطت لتسجل شظايا الحرب التي انغرزت في لحم عائلتها. في تدوينة تعود إلى 23 أبريل/نيسان 2024، تصف لحظة مرعبة طالت محيط نزوحهم: "فجأة بدأ كل شي يغادر مكانه.. قُصف بيت بجوار المدرسة، وتهدم جدار.. تكسرت كل النوافذ.. وقُطع أصبع القدم الكبير لمحمد ابني".
التعليقات (0)