ثمة حلقة ثلاثية تشكلت منذ فترة وتقف إيران في مركزها، مراهنة على مخزون من "الاكتفاء الذاتي" راكمته طوال عقود من العزلة والعقوبات، حيث تواجه الآن أعنف حملة ضغط مالي لا تشبه أبدا ما سبق أن جربته واشنطن في تاريخ العلاقة بين البلدين، وعلى الناحية الأخرى يأتي الموقف الصيني الصامت لكنه حاسم ويوفر لطهران المتنفس الذي يحول دون اختناقها الكامل.
ويأتي هذا المشهد في سياق شديد التذبذب، فبعد 6 أشهر من حرب مباشرة اندلعت أواخر فبراير/شباط 2026 بضربات أمريكية وإسرائيلية على المنشآت الإيرانية، مرّ الصراع بمحطات متقلبة: تصعيد عسكري متبادل في مضيق هرمز، ثم اتفاق مؤقت في يونيو/حزيران أعاد فتح الملاحة جزئيا، قبل أن ينهار مع تجدد الحصار البحري الأمريكي في يوليو/تموز، لتنتقل المواجهة أخيرا إلى ما تسميه وزارة الخزانة الأمريكية "عملية المنبوذ الاقتصادي"، بهدف قطع كل شريان مالي متبق يغذي طهران.
ووسط هذا المشهد المتحرك، تتقاطع قراءات عدد من الخبراء والدبلوماسيين الأمريكيين حول جوهر واحد: أن العقوبات -مهما اتسعت- تصطدم بجدارين معا؛ صمود إيراني تمتد جذوره إلى عقود من "اقتصاد الالتفاف"، والحاجة الأمريكية إلى الصين التي لا يمكن معاقبتها بالكامل دون كلفة إستراتيجية باهظة وهي غير مستعدة لها.
ويعزز ذلك التقارير التي تتحدث عما يمكن تسميته "الاقتصاد الموازي" الذي بات يحمي طهران من الانهيار الكامل، وذلك عبر شبكة من ناقلات "أسطول الظل" التي تُطفئ أجهزة تتبعها وتُخفي هويتها في عرض البحر، بالإضافة إلى مصافٍ صينية مستقلة تشتري الخام الإيراني بأسعار مخفضة، وتسويات مالية تتم باليوان الصيني بعيدا عن قبضة الدولار.
وكل هذا يجعل هذه الحلقة الثلاثية عصية على الانكسار السريع، وقد تطيل أمد الاستنزاف بين أطرافها شهورا.
يفتح الانتقال من الحسم العسكري إلى الخنق المالي بابا لفهم أعمق لهذه الثلاثية، إذ لم يكن هذا التحول خيارا عفويا بقدر ما كان اعترافا ضمنيا بعجز الأداة العسكرية عن الحسم في ميدان المعركة.
التعليقات (0)