1. ليست قضية المفقودين في غزة فصلا هامشيا في مأساة الحرب بل هي واحدة من أكثر صور المأساة الفلسطينية تعقيدا وأشدها قسوة لأن القتل ينهي حياة الإنسان أما الاختفاء فيبقي عائلته أسيرة الاحتمال وقد جاءت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 30 أغسطس 2026 لتقول إن آلاف العائلات في غزة ما زالت تنتظر معرفة مصير أحبائها بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الحرب بعضهم قد يكون تحت الأنقاض وبعضهم قد يكون محتجزا وبعضهم قد يكون فارق الحياة دون أن تعرف عائلته أين دفن وهذه ليست مجرد مأساة عاطفية بل أزمة حقوقية وقانونية وسياسية مكتملة الأركان لأن القانون الدولي الإنساني لا يعترف بالمفقود باعتباره رقما مجهولا بل يقر للعائلات بحق معرفة مصير أقاربها ويفرض على أطراف النزاع اتخاذ التدابير الممكنة للبحث عن المفقودين وتحديد أماكنهم.
2. وهنا ينبغي أن نخرج من اللغة الإنسانية الناعمة إلى اللغة السياسية الصريحة فالمفقود الفلسطيني ليس مجرد ضحية إضافية للحرب وإنما هو إنسان أضيف إلى دائرة العنف مرتين مرة حين فقد حياته أو حريته أو الاتصال بأسرته ومرة حين حرم أهله من الحقيقة وهذا ما يجعل قضية المفقودين جزءا من منظومة الحق في الحقيقة والحق في الكرامة الإنسانية وحماية الأسرة والحق في معرفة مصير الموتى والمحتجزين. إن الغياب حين يكون نتيجة للاحتلال أو الاعتقال أو القصف أو التهجير أو الدفن تحت الأنقاض يتحول من واقعة إنسانية إلى سؤال عن المسؤولية القانونية ولذلك فإن أي سلطة تملك معلومات عن المفقودين وترفض تقديمها أو تعطل الوصول إليهم لا تمارس مجرد صمت إداري بل تساهم في استمرار حالة الغموض التي تعاني منها الأسرة.
3. والتاريخ الدولي يقدم لنا ما يكفي لإسقاط الحجة القائلة إن البحث عن المفقودين مهمة مستحيلة في الحروب الكبرى. ففي البوسنة والهرسك خرج من الحرب عشرات الآلاف من المفقودين ثم تحول الملف إلى مشروع دولي مؤسسي استخدمت فيه المقابر الجماعية والطب الشرعي وتحليل الحمض النووي والسجلات المركزية والشهادات والخرائط والأدلة القضائية وقد لعبت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين دورا مركزيا في بناء قدرة مؤسساتية بوسنية وتطوير التشريعات وإنشاء قواعد البيانات واستخدام تقنيات الحمض النووي وربط الأدلة بالمسارات القضائية ولم يكن ذلك عملا خيريا عابرا بل أصبح جزءا من بناء الدولة بعد الحرب ومن عملية العدالة الانتقالية ومن تفكيك منظومة الإنكار التي حاولت أن تدفن الجريمة مع الضحية.
4. وفي البوسنة تحديدا تقدم التجربة درسا شديد الأهمية لغزة فقد كان هناك في نهاية الحرب عشرات الآلاف من المفقودين واستطاعت المؤسسات الدولية والمحلية لاحقا استعادة آلاف الأشخاص والتعرف إلى رفاتهم عبر الحفر الجنائي والطب الشرعي والحمض النووي. وبعد عقود ما زالت آلاف الأسر تنتظر إجابات لكن العالم لم يقل إن المسألة مستحيلة بل أنشأ مؤسسات وقوانين وسجلات وآليات تعاون. بل إن قانون المفقودين البوسني الذي صدر عام 2004 أنشأ إطارا مركزيا للبحث وسجلا للمفقودين وصندوقا خاصا للأسر وهو ما يثبت أن ملف المفقودين يمكن أن يتحول بعد الحرب إلى مؤسسة سيادية وقانونية وليس مجرد نشاط إغاثي.
5. والأمر نفسه ظهر في أوكرانيا حيث اضطرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى إنشاء مكتب للوكالة المركزية للبحث عن المفقودين لإدارة واحدة من أكبر عمليات البحث منذ الحرب العالمية الثانية وقد فتحت العملية عشرات الآلاف من الملفات وربطت بين جمع المعلومات والتعرف إلى الجثامين ومتابعة المحتجزين وإعادة الروابط العائلية. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا في الحالة الفلسطينية لماذا يستطيع النظام الدولي أن يبني منظومات معقدة للمفقودين في أوروبا وأماكن أخرى بينما يبدو ملف غزة وكأنه يعيش في فراغ مؤسسي. المشكلة إذن ليست في غياب الخبرة الدولية ولا في استحالة التقنية بل في غياب الإرادة السياسية التي تحول الخبرة إلى قوة تنفيذية.
6. والصليب الأحمر نفسه يملك اعترافا واضحا بأن قضية المفقودين أصبحت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية العالمية فقد تحدث في الأمم المتحدة عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد المفقودين وارتفع العدد المسجل لدى اللجنة من نحو 169500 في 2019 إلى حوالي 284400 في نهاية 2024 بزيادة تقارب 70 بالمئة مع تأكيدها أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير. كما تؤكد اللجنة أن وكالتها المركزية للبحث عن المفقودين التي يعود تاريخها إلى عام 1870 ما زالت تقوم بدور مركزي في تتبع الأشخاص وإعادة الروابط العائلية. لذلك فإن السؤال الفلسطيني ليس هل يمتلك الصليب الأحمر الأدوات وإنما هل استخدم هذه الأدوات بالحجم الذي تفرضه كارثة غزة.
التعليقات (0)