لم تعد غزة تحتمل مزيدًا من المناورات، ولم يعد الشعب الفلسطيني قادرًا على تحمل كلفة الحسابات الفصائلية، أو إبقاء مستقبل القطاع وقضيته الوطنية رهينة لتوازنات السلاح والميدان، أو انتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية والدولية.
لقد تغيّر المشهد بصورة جذرية، فمرحلة ما بعد الحرب ليست كما قبلها، وما يجري اليوم في غزة لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو تثبيت هدنة مؤقتة، بل بمستقبل القطاع، والجهة التي ستديره، ومن سيتولى توفير الأمن فيه، ومن سيشرف على إعادة إعمار ما دمرته الحرب. والأهم من ذلك، هل تبقى غزة جزءًا من النظام السياسي الفلسطيني، أم تتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى كيان منفصل عن الضفة الغربية والقدس؟
وهنا تقع مسؤولية تاريخية على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم حركة حماس التي يجب أن تتخلى عن حضورها السياسي والاجتماعي، بينما تعمل حركة فتح لإعادة بناء البيت الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، ووحدة القرار، ووحدة الجغرافيا السياسية.
لقد أثبتت الحرب أن الانقسام ليس مجرد خلاف فلسطيني داخلي، بل أصبح ثغرة استراتيجية ينفذ منها الاحتلال، وتستثمرها أطراف إقليمية ودولية في صياغة ترتيبات تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، فإذا كان الانقسام قد خدم إسرائيل في مراحل سابقة، فإنه اليوم أصبح أخطر من أي وقت مضى.
تريد إسرائيل غزة ضعيفة ومحاصرة ومفصولة سياسيًا وجغرافيًا عن الضفة الغربية، كما تسعى إلى إبقاء القضية الفلسطينية من دون عنوان سياسي موحد. وفي المقابل، فإن أي سلوك فلسطيني يؤدي عمليًا إلى تكريس الفصل بين غزة والضفة، مهما كانت دوافعه أو مبرراته، يصب في الاتجاه ذاته.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه بصراحة هو، هل تريد حماس أن تكون جزءًا من القرار الوطني الفلسطيني، أم أن تستمر في إدارة غزة بمنطق السلطة المنفردة؟ فالمرحلة الجديدة لا تسمح بالجمع بين الخيارين.
التعليقات (0)