طهران – في صيف طهران اللاهب هذه الأيام، تجوب نغار (58 عاما) الشوارع من صيدلية إلى أخرى، تحمل في حقيبتها وصفة طبية لزوجها الذي خضع لجراحة في العظام ثم أصيب بعفن معقد يستدعي مضادا حيويا متطورا، فتقول للجزيرة نت "زرت 8 صيدليات قبل أن أعثر عليه، لكنّ سعره كان جنونيا بحدود 90 مليون ريال إيراني (نحو 43.4 دولارا)، وهو مبلغ يفوق قدرتي ولا أستطيع شراءه".
قصة نغار تختصر واقعا يعيشه قطاع الدواء في إيران لا سيما عقب الحرب الأخيرة؛ إذ يخرج عشرات المرضى وذووهم كل يوم بحثا عن أدوية صارت شبه مفقودة أو تضاعفت أسعارها عدة مرات، فيعثر بعضهم عليها بعد رحلة شاقة، وييأس آخرون ويعودون بلا شيء.
وحين استفسرنا عن سبب الأزمة من الصيادلة، تعددت الإجابات: عرقلة سلسلة الاستيراد جراء الحرب الأخيرة من جهة، وقرارات رسمية بقطع العملة الصعبة المدعومة لشراء المواد الأولية من جهة أخرى، بيد أن النتيجة واحدة: رفوف تنقص، وأصناف من الدواء تنفد، وأسعار تقفز، ومرضى يدفعون الثمن من صحتهم وأعصابهم.
ومع اقتراب فصل الخريف، يبحث علي (41 عاما) عن لقاح الإنفلونزا لوالديه المسنين، لكنه لم يجده في أي صيدلية، ويقول "يوجد إنتاج محلي، لكني أفضل الأجنبي. المشكلة أن الأجنبي اختفى تماما ولم يُستورد هذا الموسم بسبب تداعيات الحرب.. والداي كبيران، وأخشى عليهما من أي عدوى، ولا أعرف ماذا أفعل"، مضيفا في حديثه للجزيرة نت أن تفضيله اللقاح الأجنبي ليس رفاهية، بل مسألة ثقة تراكمت عبر سنوات، وغيابه يضع الناس أمام خيارات صعبة.
ولفهم أبعاد الأزمة، توجهت "الجزيرة نت" بالسؤال إلى مهدي عبدوس، الطبيب والناشط في مجال تسهيل توفير الأدوية للمرضى، والذي أوضح أن "جزءا مهما من هذا الوضع يعود إلى الحصار البحري والهجمات على الموانئ. كنا نستورد عبر الموانئ الجنوبية المواد الأولية والمواد الجانبية لصناعة الدواء، إضافة إلى بعض الأدوية الجاهزة. هذه الواردات تضررت بشدة، بل توقفت تماما في بعض الفترات.. بعد اتفاق إسلام آباد وصلت بعض الشحنات، لكنْ سرعان ما تعطلت مجددا".
وتابع عبدوس: "مؤخرا، وجدنا طرقا بديلة للاستيراد عبر موانئ بعض دول الجوار، لكنّ الانقطاع الطويل ترك أثره؛ إذ تعثر الإنتاج المحلي للأدوية التي تعتمد على مواد مستوردة. أتوقع أن تتحسن الأمور خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكنّ التكلفة سترتفع حتما أكثر مما هي عليه "، موضحا أن بعض الأمصال الوريدية صارت مؤخرا صنفا نادرا بسبب توقف استيرادها، وذلك على الرغم من وجود بدائل محلية لا يمكنها تعويض النقص كليا.
التعليقات (0)