لم تعد الضفة الغربية، في القراءة التي تقدمها الصحافة الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة، أمام موجة جديدة من عنف المستوطنين فحسب، بل أمام مسار تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية والعسكرية والاستيطانية مع عنف منظم يهدف إلى دفع الفلسطينيين خارج أراضيهم، في حين يزداد خطر تحول الاحتكاك إلى مواجهة أوسع تبرر مزيدا من القتل والتهجير.
وتكشف التقارير العبرية أن حادثة قصرة جنوب نابلس ليست حدثا منفصلا، بل نموذج لبيئة تتسع فيها حرية عمل مجموعات المستوطنين، مقابل تردد الجيش والشرطة والشاباك في كبحها، بينما تقترب إسرائيل من انتخابات الكنيست وتتصاعد داخل اليمين دعوات إلى تغيير الواقع السياسي والجغرافي في الضفة.
وترى عميرة هيس، مراسلة هآرتس المخضرمة للشؤون الفلسطينية، في مقالها المنشور في 30 أغسطس/آب، أن النقاش بشأن دولة فلسطينية أو حل سياسي أصبح ثانويا أمام سؤال أشد خطورة وهو بقاء الفلسطينيين أنفسهم بين النهر والبحر، وكتبت أن السياسة الإسرائيلية تتجه إلى "جعل حياة الفلسطينيين بائسة" بحيث تبدو الهجرة لاحقا وكأنها قرار طوعي.
وتربط هيس بين عنف المستوطنين وبين منظومة أوسع عبر الغارات العسكرية، والحواجز والقيود البيروقراطية، ومنع الزراعة وتطوير الأرض، والضغط المالي على السلطة الفلسطينية ونحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة، وفي تقديرها تتجمع هذه الأدوات لتكوين بنية مادية وأيديولوجية ونفسية تسمح بتهجير جماعي جديد، قد يصاحبه قتل واسع إذا نشأت الذريعة الأمنية المناسبة.
وتمنح المعطيات الميدانية هذا التحذير بعدا عمليا، حيث كتب إليشع بن كيمون، مراسل يديعوت أحرنوت لشؤون الضفة والاستيطان، أن الهدف الغالب لمثيري الشغب اليهود هو "تنغيص حياة الفلسطينيين"، مشيرا إلى أن تجمعات بدوية تركت بالفعل أماكن سكنها خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت قرى أيضا عرضة للهجوم.
وبحسب المؤسسة الأمنية التي نقل عنها، تقود العنف نواة من 70 إلى 100 ناشط، يدور حولها نحو 300 شاب، والهدف المعلن، وفق مصدر أمني، هو طمس الخطوط بين المنطقة "ج" والمنطقتين "أ" و"ب"، أي نقل مناطق البؤر والمزارع الاستيطانية إلى عمق المجال الفلسطيني.
التعليقات (0)