نظم مركز قرار لأبحاث الشأن العام، عبر الفضاء الإلكتروني، الندوة الثانية من سلسلة "الشباب يتحدثون عن فلسطين في العالم"، ناقش فيها التحولات السياسية في عدد من دول أمريكا اللاتينية، وانعكاس مواقف هذه الدول تجاه فلسطين والقضية الفلسطينية. وذلك بمشاركة الباحثة سمر نخلة، باحثة زميلة في مركز قرار، تحمل الجنسيتين الفلسطينية والكولومبية، وعملت في بعثات دبلوماسية لدول من أمريكا اللاتينية والدول الناطقة بالإسبانية. والسيد فخري طه، دبلوماسي في السفارة الفلسطينية لدى المكسيك وباحث دكتوراه في القانون. وقد أدار الندوة أ.د. خالد الحروب، أستاذ دراسات الشرق الأوسط ودراسات الإعلام العربي في جامعة نورثويسترن، وعضو مجلس أمناء مركز قرار، وبحضور عدد من الباحثين والمهتمين بالشأن الفلسطيني والعلاقات الدولية.
تناولت نخلة موقع القضية الفلسطينية في السياسات الداخلية والخارجية لكل من كولومبيا وفنزويلا، وانعكاس التحولات السياسية في البلدين على مواقفهما تجاه فلسطين وإسرائيل، مستعرضة السياقات التاريخية والسياسية، وموضحة أن موقف كولومبيا من القضية الفلسطينية لم يكن مرتبطاً حصراً بصعود الحكومات اليسارية، إذ تعود العلاقات الدبلوماسية مع فلسطين إلى العام 1988، كما جرى الاعتراف بدولة فلسطين خلال فترة حكم الرئيس خوان مانويل سانتوس، فيما لم تتراجع حكومة الرئيس إيفان دوكي، رغم قربها من إسرائيل، عن هذا الاعتراف. وأشارت إلى أن التحول الأبرز الذي شهدته كولومبيا كان خلال فترة حكم الرئيس غوستافو بيترو، الذي جعل القضية الفلسطينية جزءاً أكثر حضوراً في السياسة الخارجية الكولومبية، حتى قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في العام 2024، في إطار توجه سياسي أوسع ارتبط بالتضامن مع الجنوب العالمي، والدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
أما في الحالة الفنزويلية، فأوضحت نخلة أن العلاقة مع القضية الفلسطينية ارتبطت بصورة أكثر مباشرة بالتحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ وصول هوغو تشافيز إلى الحكم، حيث أصبحت فلسطين جزءاً من خطاب سياسي يقوم على مناهضة الإمبريالية الأمريكية والتضامن مع دول الجنوب العالمي. وأشارت إلى أن فنزويلا قطعت علاقاتها مع إسرائيل عام 2009، كما دعمت التحرك أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وبيّنت نخلة أن التحول السياسي الذي شهدته فنزويلا خلال العام 2026 أدى إلى تغير كبير في توجهات السياسة الخارجية، مع اتساع التقارب مع الولايات المتحدة واستعادة العلاقات مع إسرائيل، معتبرة أن المقارنة بين كولومبيا وفنزويلا تظهر اختلافاً في السياقات التاريخية والسياسية للتحول، إلا أن الحالتين تكشفان عن ارتباط الموقف من فلسطين بالسياق الأوسع للسياسة الخارجية والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
من جانبه، عرض طه للتحولات السياسية في المكسيك والبرازيل، مركزاً على طبيعة الاستقطاب السياسي بين اليمين واليسار في أمريكا اللاتينية، وانعكاساته على مواقف الحكومات تجاه القضية الفلسطينية. وأوضح أن المكسيك والبرازيل تمثلان، في السياق الراهن، حالتين بارزتين في أمريكا اللاتينية، بوجود حكومة يسارية في الحكم، ممثلة بحزب حركة التجديد الوطني في المكسيك وحزب العمال في البرازيل. وأشار طه إلى أن مواقف هاتين الحكومتين من القضية الفلسطينية ترتبط، بصورة أساسية، بدعم تطبيق القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير المصير، في مقابل مواقف قطاعات من اليمين التي تميل إلى دعم إسرائيل، موضحاً أن القضية الفلسطينية قد تتحول، في ظل الاستقطاب السياسي، إلى جزء من الصراع الداخلي بين اليمين واليسار، بحيث يصبح الموقف منها مرتبطاً بالتصويت العقابي على الحكومات القائمة أو القوى المعارضة.
كما ربط طه بين المواقف من القضية الفلسطينية وبين البنية الاقتصادية والاجتماعية في كل من المكسيك والبرازيل، ولا سيما مستويات عدم المساواة الاقتصادية، مشيراً إلى أن هذه البيئة قد تنتج أشكالاً مختلفة من التعاطف أو العداء تجاه فلسطين تبعاً للتحالفات السياسية والطبقية التي تتشكل داخل المجتمع. وتطرق كذلك إلى قدرة القوى اليمينية على استثمار موقعها خارج الحكم في حشد المعارضة الشعبية، وتقديم نموذج إسرائيل، ولا سيما في المجال الأمني والعسكري، باعتباره نموذجاً للكفاءة في مقابل تصوير الحكومات اليسارية بوصفها غير قادرة على إدارة الدولة.
وقد التقت المداخلتان عند أهمية قراءة المواقف تجاه فلسطين في ضوء التحولات السياسية الداخلية والعلاقات الجيوسياسية الأوسع، وعدم اختزالها في المواقف الأيديولوجية للأحزاب والحكومات وحدها، في ظل ما تشهده المنطقة من تغيرات في موازين القوى والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وعقب المداخلتين، فُتح باب النقاش والأسئلة أمام الحضور، حيث تناولت المداخلات عدداً من القضايا المرتبطة بتأثير تغير الحكومات على السياسات الخارجية تجاه فلسطين، ومدى ارتباط المواقف من القضية الفلسطينية بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية الداخلية في هذه الدول، إلى جانب الأسئلة المتعلقة بحدود تأثير الاستقطاب السياسي والتحولات الإقليمية والدولية في مستقبل العلاقات مع فلسطين وإسرائيل.
التعليقات (0)