ثمة لحظات في حياة الشعوب يصبح فيها السؤال عن المستقبل أكثر إلحاحاً من الخلاف حول الماضي. وربما تكون فلسطين اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات.
بعد عقود من الصراع والانقسام والحروب والمفاوضات المتعثرة والأزمات الاقتصادية والسياسية، لم يعد من السهل إقناع الفلسطينيين بأن الأدوات ذاتها يمكن أن تقود إلى نتائج مختلفة. ثمة شيء يتغير في المزاج العام. ليس بالضرورة في صورة احتجاج سياسي صاخب، ولا في شكل انحياز جماعي إلى بديل محدد، وإنما في سؤال يتردد بين الناس بصيغ مختلفة: أليس ضرورياً أن نبحث عن مسار آخر؟ هذا السؤال لا يعني إضافة فصيل جديد إلى المشهد، ولا استبدال اسم باسم، أو قيادة بأخرى. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتصل بالحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة، وبين المجتمع والدولة، وبين المشروع الوطني واحتياجات الناس اليومية.
من سؤال السلطة إلى سؤال الدولة ربما كان أحد أكبر إخفاقات التجربة السياسية الفلسطينية الحديثة أنها انشغلت طويلاً بسؤال السلطة: من يملكها؟ ومن يمثل الشعب؟ ومن يمتلك الشرعية؟ لكن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم اليوم هو: أي دولة نريد؟ دولة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من الولاءات، والوظيفة العامة مسؤولية لا امتيازاً، والانتخابات وسيلة للتغيير لا مجرد آلية لإعادة إنتاج التوازنات القديمة. فالوطنية، على أهميتها، لا تستطيع وحدها بناء دولة.
والدولة لا تستقيم من دون مواطن يشعر بأن حقوقه مصانة، وأن صوته له معنى، وأن كفاءته أهم من علاقاته. لهذا فإن أي مسار جديد يحتاجه الفلسطينيون يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار للمواطن. لا يمكن أن تبقى الوحدة شعاراً ظلت الوحدة الوطنية، على مدى سنوات طويلة، عنواناً ثابتاً في الخطاب الفلسطيني، لكنها بقيت في كثير من الأحيان أبعد من أن تتحول إلى واقع مؤسسي. والدرس الذي دفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً لاكتشافه هو أن الاختلاف السياسي ليس المشكلة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى انقسام دائم، وعندما تصبح المؤسسات رهينة للتجاذب السياسي. المطلوب ليس مجتمعاً بلا اختلاف؛ فهذا غير ممكن، ولا صحي.
المطلوب نظام سياسي يستطيع إدارة الاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع على الوطن نفسه. فالوحدة بين الضفة وغزة ليست مجرد مسألة جغرافية. إنها قضية مؤسسات وحقوق وقانون وقرار سياسي واحد، ومشروع وطني قادر على استيعاب التعدد بدلاً من تحويله إلى انقسام. غزة ليست هامش القضية بعد ما شهدته غزة من حرب ودمار ومعاناة، سيكون من الصعب تصور أي مستقبل فلسطيني من دون جعل إعادة إعمارها جزءاً من مشروع وطني شامل.
لكن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تختزل في إعادة بناء المباني. المطلوب إعادة بناء المدارس والمستشفيات والاقتصاد والإدارة والحياة الاجتماعية، والأهم من ذلك إعادة بناء الثقة والأمل. غزة تحتاج إلى مستقبل، وليس فقط إلى إسمنت. والضفة بدورها تحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات فعالة، وحياة سياسية تستعيد ثقة الناس. ولعل إعادة بناء غزة والضفة معاً يمكن أن تكون فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني نفسه على أسس مختلفة؛ أسس تجعل الإنسان الفلسطيني محور السياسة، لا مجرد موضوع لها. الوطنية لا تتناقض مع الديمقراطية ليس صحيحاً أن على الفلسطيني أن يختار بين حقوقه الوطنية وبين الديمقراطية. الديمقراطية ليست ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد التحرر، كما أن الوطنية لا ينبغي أن تكون مبرراً لتعليق حقوق المواطن. الحاجة الحقيقية هي إلى وطنية ديمقراطية تحافظ على الحقوق الوطنية، وفي الوقت نفسه تبني مجتمعاً حراً ومؤسسات خاضعة للمساءلة.
التعليقات (0)