من دون سردٍ تفصيليٍ للوقائع، فإن بالإمكان وصف الحالة الفلسطينية بأنها «غرقٌ في دوّامة»... كلّما لاحت بارقةٌ للخروج منها، تقع تطوّراتٌ معاكسةٌ تعيد الحالة إلى الدوّامة ذاتها.
الفلسطينيون من خلال «اتفاقات وتفاهمات أوسلو»، التي رعاها العالم كله، شعروا بحق بأنهم صاروا على أبواب دولتهم المنشودة... 5 سنواتٍ، وربما أقل، وتنتهي المرحلة التجريبية للحكم الذاتي، لتقوم الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة في عام 1967، وبعدها يصبح متاحاً إجراء مفاوضاتٍ بين دولتين قائمتين لحل قضايا الوضع الدائم.
فشلت التجربة منذ غياب صنّاعها على الجانب الإسرائيلي، لتحلّ محلّهم قيادةٌ عارضت جذرياً ما جرى التوصل إليه في أوسلو، لتفرض مساراً مختلفاً للأحداث، تحوّل فيه مشروع السلام الواعد إلى مشروعِ حربٍ دمويةٍ بدأت منذ تولّي «الليكود» السلطة، واستمرت إلى ما نحن فيه الآن.
الفلسطينيون والحالة هذه، أخرجوا من حساباتهم الواقعيةِ إمكانيةَ قيام دولةٍ فلسطينيةٍ وفق «مسار أوسلو»، وفي المدى القريب، لتتراجع أهدافهم إلى ما هو أكبر واقعية؛ أي البقاء على أرض الوطن، ومتابعة التطوّرات الدولية التي منحتهم اعترافاتٍ ثمينةٍ بحقهم في الدولة.
واقعية الفلسطينيين لها ما يعززها، ويعزز من أهدافها المتراجعة عن «الدولة الوشيكة» إلى «البقاء على أرض الوطن»، وأهم ما يستند إليه الفلسطينيون وجود ما يزيد على 6 ملايين نسمة يقيمون في الضفة وغزة. وهذه الملايين تمتلك يقيناً راسخاً بأهمية البقاء على أرض الوطن؛ وذلك بفعل عاملين شديدَي الفاعلية، هما: التجربة الفلسطينية مع اللجوء، التي عمّقت وعياً جمعياً لديهم بعدم تكرارها. وكذلك مواقف الدول القريبة والبعيدة التي لم تفتح أبوابها لهجرة الفلسطينيين في الوقت الذي ينهمك فيه العالم في معالجة مسألة اللاجئين بإعادتهم من حيث أتوا.
الفلسطينيون في الضفة، بما فيها القدس، وعددهم 4 ملايين، يعيشون على أرضٍ مساحتها تقل عن 6 آلاف كيلومتر مربع، وقد عاشوا حالةً فيها ازدواجية متفرّدة، قوامها بناءُ حياتهم على أرض الوطن، بكل ما يلزمها من بنىً تحتية ومرافق ومنشآت، وكأنها لا ترزح تحت احتلالٍ عسكريٍ استيطاني، وأداءُ مقاومةٍ متعددة الأشكال؛ عسكريةً وشعبيةً وتعليميةً وعمرانية... بنوا عشرات آلاف المدارس، وعشرات بل مئات المعاهد ذات التخصصات المختلفة، ولم تخلُ محافظةٌ في الضفة من جامعةٍ أو اثنتين.
التعليقات (0)