عرف العلماء السلوك الانتحاري بأنه كل ما يرتبط بنيّة قتل النفس: من التفكير والتخطيط والميل والبحث عن الوسيلة، وصولا إلى التنفيذ. لا يقتصر الأمر إذن على لحظة الانتحار نفسها، بل يشمل رحلة معقدة من المعاناة الداخلية.
قبل أيام، خرجت الشابة المصرية بسنت سليمان في بث مباشر عبر فيسبوك، لتحكي علنا عن معاناتها مع زوجها السابق ووالد أطفالها، وتعلن أنها قررت الانتحار، وأن هذا البث هو رسالتها الأخيرة للعالم.
لم تكن بسنت، التي تقترب من منتصف الثلاثينيات من عمرها، أول من قرر بث لحظاته الأخيرة مباشرة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وقف شاب مصري يدعى نور مصطفى أعلى قلعة صلاح الدين بالقاهرة، وهدد بإلقاء نفسه في بث مباشر أيضًا. انتهى الأمر بإنقاذه من قِبل قوات الأمن، ثم اختفى عن المشهد العام.
المشهد لا يقتصر على مصر، ففي العراق تكرّرت حالات انتحار متلفزة أو عبر البث المباشر، شنقا وقفزا وحرقا، تتشابه جميعها في عنصر واحد: "الموت أمام الكاميرا". وفي بريطانيا، أنهى بول هيلتون (34 عاما) حياته بالطريقة نفسها، إذ علق حبلا في غرفته وشنق نفسه على الهواء مباشرة، ورغم سرعة أصدقائه في إبلاغ الشرطة، فإنها لم تتمكن من إنقاذه.
الانتحار ليس ظاهرة جديدة، ولا اضطرابا نفسيا بلا ملامح، لكن "البث المباشر" هو ما حوّل هذه الأفعال من خطر فردي يهدد شخصا واحدا إلى حالة اجتماعية أوسع، تثير أسئلة عن علاقتنا كمجتمعات بالموت واليأس والعرض العلني للألم.
تحدث عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم عن الانتحار بوصفه ظاهرة لها بعد سوسيولوجي، وليست مجرد قرار فردي. الانتحار عنده يرتبط بدرجة اندماج الفرد في المجتمع، وبالطريقة التي تنظم بها المجتمعات حياة أفرادها.
💬 التعليقات (0)