إن الملاحظ اليوم في المشهد المؤسسي والحزبي هو طغيان العلاقات الشخصية والصحبة والاصطفاف الفئوي على حساب إبعاد وتهميش الآخرين، سواء كانوا من الخصوم في العمل أو من غير المحسوبين على الأشخاص والمتنفذين، حتى أصبح اتخاذ القرار أو الفعل التنظيمي يخضع لحسابات ضيقة تتلخص في سؤال: من ولصالح من؟ ومع من وتبع من؟ وكأن العمل المؤسسي قد تحول إلى مجرد ساحة لتحقيق المنافع الخاصة بالأفراد وحواشيهم، ومع أن المؤسسية وسيادة الكفاءة تمثلان الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها الدول والمؤسسات الناجحة، إلا أن واقع مراكز صناعة القرار يتجه في كثير من الأحيان نحو مسار مغاير، تطغى فيه المجاملات الحبيّة على آليات العمل التنظيمي المحكم.
وهذه الظاهرة، التي تُعرف في أدبيات العلوم السياسية والإدارية بالزبائنية والمحسوبية، تحول المؤسسات من كيانات تهدف إلى خدمة المصلحة العامة وتطوير السياسات الشاملة إلى مجالس وهيئات للمصالح الضيقة وتوزيع المكاسب الشخصية؛ إذ تتبلور جذور الأزمة عندما يُستبدل مبدأ أهل الخبرة والكفاءة بمنطق أهل الثقة والأصحاب والولاءات، مما يؤدي تلقائياً إلى تجريف المؤسسات من العقول المؤهلة والتخصصات القادرة على الابتكار والتخطيط الاستراتيجي، وفي ظل هذا المناخ، تفقد القرارات صبغتها الموضوعية المعتمدة على البيانات ودراسات الجدوى لتصبح رهينة للمزاج الشخصي والتوافقات الفردية، وهو ما يفرغ مؤسسات الدولة والمجتمع من محتواها، ويضعف أدوات الرقابة والمساءلة عبر غض الطرف عن الأخطاء والقصور حمايةً للدائرة المقربة وشبكات المصالح المتبادلة.
وتتجاوز آثار هذه الحالة حدود الأروقة الإدارية لتنعكس بشكل مباشر على مجمل المشهد العام، فاقتصادياً تتسبب المحسوبية في هدر الموارد العامة وسوء توزيع الفرص وتنفير الاستثمارات والجهود الجادة التي تتطلب بيئة قائمة على العدالة والشفافية، واجتماعياً يمتد الضرر ليشكل أزمة ثقة عميقة بين الأفراد والمؤسسات، حيث يتفشى الشعور بالظلم والإحباط وتتزايد دوافع هجرة الكفاءات الشابة التي تجد أبواب التقدم المبنية على الاستحقاق مغلقة أمامها، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل العقد الاجتماعي وإضعاف الهوية الوطنية. وتكمن خطورة هذه الجماعات والشلليات في النظم والأحزاب السياسية في أنها أصبحت تنعكس على كل تفاصيل حياتنا اليومية، لدرجة يمتد معها هذا النمط الاجتماعي المشوه حتى داخل البنية العائلية والأسرية، متجاوزاً كل حدود المقبول ومشكلاً ظاهرة معتمة في وجه كل مواطن يطمح إلى فرصة عادلة أو خدمة مستحقة.
وللخروج من هذا النفق المعتم وإعادة بناء المؤسسات على أسس متينة، تجد القوى الحية نفسها أمام ضرورة حتمية للانتقال من "إدارة الأفراد" إلى "إدارة الأنظمة"، وهو انتقال يبدأ بمأسسة الحوكمة والتحول الرقمي لتقليل التدخل البشري المباشر الذي يغذّي شبكات المجاملات، مع منح استقلالية صارمة لأجهزة الرقابة والتفتيش لمحاربة تعارض المصالح دون أي تدخل تنفيذي، ويتكامل هذا المسار بالتوازي مع إعادة هيكلة معايير التوظيف والتكليف عبر إلغاء السلطة الفردية واشتراط مرور جميع الترفيعات بلجان تقييم محيدة ومعايير تعتمد بطاقات وصف وظيفي واضحة ومقاسة، فضلاً عن إقرار ميثاق ملزم للشفافية يوجب على صناع القرار الإفصاح العلني عن أي تضارب في المصالح وحظر التأثير على القرارات عند وجود شبهة اصطفاف فئوي، بالتزامن مع توفير قنوات آمنة ومحمية للتظلمات تحفظ للكفاءات حقها في المساءلة وتضمن خضوع جميع الكوادر القيادية لتقييم دوري قائم على النتائج لا على درجة الولاء الشخصي.
أخيراً، فإن إصلاح حال مؤسساتنا وقوانا المؤثرة في المجتمع المدني والأحزاب والقوى السياسية يتطلب إعادة الاعتبار للنظام والمبادئ وإدارة العمل بمنهجيات تخضع حصراً للكفاءة والقدرات بغض النظر عن الولاءات الضيقة؛ فالانتماء للمؤسسة وللمبادئ التأسيسية هو الأصل وليس للأشخاص، والنجاح التنظيمي لا يتحقق إلا عندما يكون العمل هادفاً وضمن خطة محكمة تحكمها المهارات وتتحقق فيها العدالة كسيادة عامة للجميع، ويكفي تقزيماً للعمل وإهداراً للطاقات وشخصنةً للمؤسسات، إذ إنه من الغريب أن نرى تنظيمات تتشظى إلى جماعات وشلليات تفقد معها جوهر قيمها وأخلاقيات العمل فيها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
التعليقات (0)