الإثنين 31 أغسطس 2026 10:46 صباحًا - بتوقيت القدس
قالت الحكماء ... "ثمة أحمال لا تُوضع، لأنها ليست على الكتف، بل في الدم"... وهذا ما تنطق به هذه اللوحة الرثائية التي تركها لنا الفنان الفلسطيني الراحل سليمان منصور، بعد أن غادر الدنيا وترك حمله معلّقاً في الفراغ، ينتظر كتفاً آخر يكمل المسير... فاللوحة هنا ليست مشهداً تشكيلياً يُقرأ ويُطوى، بل وصيّة بصرية، ومرثية لونية، وشهادة أخيرة كتبها فنان يعرف أن "القدس" ليست مدينة تُرسم، بل جرحٌ يُحمل.في الإنشاء البنائي والتكوين، تتوسط قبة الصخرة، بذهبيّتها الخافتة ومحيطها من بيوت القدس المتراصة، جسد الحمّال المنحني، وكأن الفنان قد بنى تكوينه على قوس عضوي متكرر.. قوس القدس المعلّقة فوق الظهر، وقوس الظهر المنحني تحتها، في تناظر بصري يجعل من جسد الحمّال امتداداً معماريّاً للمدينة ذاتها، فلا فرق بين حجارة القدس وفقرات هذا الظهر المثقل، كلاهما يحمل الآخر، وكلاهما ينوء تحت وطأة الزمن، هذا التكوين الهرمي المقلوب.. حيث تعلو المدينة وتنحني الإنسانية تحتها.. هو في جوهره بيان تشكيلي.. القضية أثقل من حاملها، والحلم أكبر من الجسد الذي يُصرّ على حمله رغم كل شيء.أما في الهارموني اللوني فقد اختار الفنان تدرجات ترابية باهتة، رمادي الرداء وبيج الأرض وأزرق سماوي شاحب يكاد يخلو من الأمل، وكأنه يصف بالألوان صمتَ العالم وتواطؤه، لكنه في المقابل فجّر خطا أحمر قانياً واحداً يلتف حول العنق وينسدل كنهر من الجرح حتى الخصر، هذا الأحمر ليس زخرفاً، بل هو "الصوت" الوحيد في لوحة صامتة الألوان، هو الطوق الذي يخنق ولا يُسكت، هو الدم الذي يرفض أن يذوب في رمادية الحياد العالمي.وحين نُخضع هذا التوزيع لمنطق حرارة الألوان ونفسيتها، فإن الأزرق والرمادي الباردين يمثلان برود العالم وتخاذله، بينما يقتحمهما الأحمر الحار بعنف صامت، في صراع لوني يختصر مأساة قضية تُركت لتُواجه بردَ الصمت وحدها.وفي التعبير الروحي فإن انحناءة الجسد هنا ليست انكسارا، بل هي انحناءة الجذع أمام الريح الشديدة، تلك التي تعرف أن الوقوف المستقيم أمام العاصفة كسرٌ، وأن الانحناء الذكي هو صمود من نوع آخر، القدمان الحافيتان الملتصقتان بالأرض القاحلة تقولان... هذا الحمّال لا مكان له يقف عليه سوى الأرض ذاتها، فهو ابن ترابها ووريث غبارها، أما اليدان الممسكتان بطرفي القماش الملفوف فوق الرأس، فهما ليستا فعل حمل فحسب، بل فعل تثبيت، وكأن الحمّال يخشى أن ينفلت الحلم من فوق كتفه فيسقط، فيمسكه بكلتا يديه كما يُمسك الأب طفله فوق كتفيه في زحام لا يرحم.في هذا العمل يستحضر سليمان منصور هنا صورة الأب الفلسطيني الأزلي، ذاك الذي حمل مفتاح البيت ولم يحمل البيت، حمل الأرض في القلب ولم يحملها في اليد، فتحوّل الحلم من ملكية إلى أمانة، ومن وطن إلى وصية تُورَّث من كتف إلى كتف، وهذه الأمانة، في عمقها الروحي، أشبه بالصليب الذي يحمله من لا يملك خيار الرفض، فالقضية هنا ليست عبئا اختاره الحمّال، بل قدرا وُلد فيه، تماماً كما قال الشاعر:"حملتُك في القلب لا في الكفّ منتظرا.. يوم اللقاء وقلبي دائم السَّفرِ".في المقاومة الفنية.. يختار الفنان أن يجعل القدس "حملاً" لا "خلفية"، وهذا فارق جوهري في القراءة التشكيلية، فالخلفية تُنسى والحمل يُحسّ وزنه في كل خطوة، بهذا الاختيار التأليفي يتحول العمل من مشهدية توثيقية إلى مقاومة بصرية صامتة، تقول للعالم.. لن نرسم القدس في إطار مُعلّق على جدار، بل سنرسمها على ظهر ابنها، لتبقى حيّة متحركة، تمشي معه أينما مشى، وتشيخ معه، وتُدفن معه إن لزم الأمر، لكنها لا تُترك.لو تمعنا في لغة الريشة لهذه اللوحة، لوجدناها تعزف على "مقام الحجاز" ذاك المقام الشرقي الحزين النبيل الذي يحمل في ذبذباته حنينا لا يشفى وشجنا لا يُبكي بصوت عالٍ، بل يتسرب من بين الأنفاس كالدمع الذي يُكتم، وفي لحظة تماس الأحمر مع الرمادي، يتسلل إحساس بـ"نغمة السيكاه" العالقة بين الحزن والرجاء، تماما كحال الحمّال الذي يمشي بلا وجهة معلنة، لكنه يعرف.. بيقين الأنبياء.. أن المسير ذاته هو الرسالة.اختيار الفنان رمزية العنوان "جمل المحامل" بسيط في ظاهره، عميق في مراميه، إذ يختزل مهنة الإنسان الفلسطيني عبر التاريخ.. حمّال ذاكرة، حمّال مفاتيح، حمّال أحلام مؤجلة، ولو أُتيح لي أن أقترح عنواناً مرادفاً يليق بعمق هذا العمل الرثائي بعد رحيل صاحبه، لاقترحت.. "الحمل الذي لا يُرفَع".. فهو حمل عصيّ على أن يوضع، لأنه ليس ثقلاً مادياً، بل قضية وجودية، لا تنتهي بموت حامله، بل تنتقل.. كما في هذه اللوحة اليتيمة الخالدة .. إلى كل من يراها، ليصبح كل ناظر إليها حمّالاً جديداً يُكمل المسير.وأخيراً، إن رحيل الفنان سليمان منصور لم يُنهِ هذا الحمل، بل أبقاه معلّقاً في الفراغ بين كتفين لا نراهما، بانتظار أن يمتد إليه كتف الأجيال القادمة، فسلامٌ على روحه التي رسمت القدس لا كمدينة تُزار، بل كأمانة تُحمل، وسلامٌ على هذا الحمّال الذي أرهقته القضية جسدا، ولم يُرهقها هو يوماً معنى وصموداً.سليمان منصور لروحك السلام...
"رحيل صاحب جمل المحامل" .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور
د. سارة محمد الشماس باحثة وكاتبة في التراث والعلوم التربوية
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)