f 𝕏 W
الشراكة تبدأ من ترتيب الاولويات لا ب نص القانون

راية اف ام

سياسة منذ ساعة 0 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

الشراكة تبدأ من ترتيب الاولويات لا ب نص القانون

ما يكتب ليس نقدا لذاته. صرنا نسمع وصفات الاصلاح وترتيب البيت الداخلي من عواصم ليست عاصمتنا، وتصلنا الملاحظة على ادائنا في تقرير مانح او في اشتراط سياسي، وهذا اقسى على الوطن من اي مقال. وفي هذا الشعب من الكفاءات العلمية والخبرة المتراكمة ما يكفي ليصوغ سياساته بيده ويقوم اعوجاجها بنفسه. الغيرة على المؤسسة الوطنية تقتضي ان تقال الملاحظة في بيتنا وبلغتنا وقبل ان يقولها غيرنا. لا خلاف على أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص أداة تمويل مشروعة ومعمول بها في العالم، والخلاف على الترتيب والتوقيت وتشكيل.

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
تناقش مقالة نشرت في خلاصة خارجية آلية قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مشيرة إلى أن التركيز على النص القانوني وحده دون معالجة الأولويات الأساسية لن يجلب استثمارات جديدة. وتؤكد المقالة أن الشراكة الحقيقية تبدأ من معالجة قضايا مثل دور السلطات المحلية، وقوة النظام القضائي، وتفعيل دور الجامعات ومراكز البحث، بالإضافة إلى معالجة الديون المتراكمة على الخزينة العامة.
أبرز النقاط

ما يكتب ليس نقدا لذاته. صرنا نسمع وصفات الاصلاح وترتيب البيت الداخلي من عواصم ليست عاصمتنا، وتصلنا الملاحظة على ادائنا في تقرير مانح او في اشتراط سياسي، وهذا اقسى على الوطن من اي مقال. وفي هذا الشعب من الكفاءات العلمية والخبرة المتراكمة ما يكفي ليصوغ سياساته بيده ويقوم اعوجاجها بنفسه. الغيرة على المؤسسة الوطنية تقتضي ان تقال الملاحظة في بيتنا وبلغتنا وقبل ان يقولها غيرنا. لا خلاف على أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص أداة تمويل مشروعة ومعمول بها في العالم، والخلاف على الترتيب والتوقيت وتشكيلة الغرفة التي تناقش فيها. وخلاصة هذه القراءة أن الاجتماع الذي عقد في وزارة الاقتصاد الوطني لمناقشة مشروع قرار بقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، عالج الحلقة الاخيرة في سلسلة طويلة قبل ان تعالج حلقاتها الاولى، وأن مشروع القرار بقانون، بصيغته الحالية وبتوقيته، لن يجلب دولارا واحدا من استثمار جديد خلال العام المقبل، وقد يترك خلفه التزامات عامة مؤجلة يدفعها موازنة لم تولد بعد. ابدأ بمن لم يكن في القاعة. الشراكة تبدأ من الأرض، والأرض هي الأصل الأثمن الذي يغري القطاع الخاص بالدخول، وصاحب الولاية عليها في معظم مشاريع البنية التحتية هو الحكم المحلي والبلديات، لا وزارة الاقتصاد ولا وزارة المالية. النفايات والمياه والنقل ومحطات الطاقة الشمسية كلها عقود تبرم مع بلديات، وتصطدم بقوانين الهيئات المحلية وبقدرتها على الاقتراض. وغياب هذا الطرف عن نقاش القانون يعني أن النص سيولد وهو يحتاج الى تعديل من اول مشروع. ثم الطرف الثاني الغائب. الجميع يعرف أن المعيق الاول امام أي شراكة طويلة الاجل ليس نقص النية بل ضعف قابلية العقد للتنفيذ. فالمستثمر لا يسأل عن نص القانون، بل عن مدة التقاضي وقوة التنفيذ القضائي وجهة تسوية النزاع في عقد يمتد خمسة وعشرين عاما، وعن تسوية الاراضي وتسجيلها، وعن التخطيط في مناطق لا تسيطر الحكومة على تراخيصها. هذه ملفات وزارة العدل والقضاء والاراضي، ولم يذكر لهم اثر في الخبر. أما الطرف الثالث فهو الجامعات ومراكز البحث. النموذج الذي تعمل به الدول منذ عقدين هو الحلزون الثلاثي الذي وضعه اتزكوفيتز وليدسدورف، ويقوم على حكومة وقطاع خاص وأكاديميا معا، ثم توسع الى حلزون رباعي يضم المجتمع المدني. أن نصمم اليوم شراكة ثنائية هو تصميم بمنطق تسعينيات القرن الماضي. وهناك ما هو اهم من قائمة الحضور. الشراكة ليست تمويلا مجانيا، بل شكل من اشكال الدين العام المؤجل. فالمشغل الخاص يبني ويشغل مقابل تدفق نقدي مضمون، اما رسوم من المستخدمين واما دفعات اتاحة من الخزينة. وفي الحالتين تحمل الحكومة ضمانات والتزامات طارئة لا تظهر في الموازنة السنوية لكنها دين بكل معنى الكلمة. والسؤال الذي كان يجب ان يتصدر الاجتماع قاس: خزينة تدفع رواتب جزئية منذ شهور وتراكم متأخرات لمورديها ومقاوليها، ما قيمة توقيعها على ضمان سيادي مدته ربع قرن؟ لا يوجد قانون في العالم يعوض عن ضعف الجدارة الائتمانية للطرف العام. ثم ان الوعد الذي يباع مع هذه العقود، وهو نقل المخاطر الى القطاع الخاص، وعد ناقص. تجربة العقود في الدول النامية معروفة ومدروسة: امتيازات البنية التحتية في اميركا اللاتينية اعيد التفاوض على اكثر من نصفها خلال سنوات قليلة من توقيعها، والطرف الاضعف في اي اعادة تفاوض هو الحكومة لا الشركة، لان الخدمة قائمة والناس تستخدمها ولا يمكن ايقافها. وحين يفشل المشروع فان المرفق يعود الى الدولة محملا بالتزاماته. لذلك تقاس جودة الشراكة بقدرة الجهة العامة على اعداد العقد وتقييمه ومراقبته، وهذه قدرة تبنى بكوادر وبيانات، لا بمادة قانونية تنص على انشائها. والمفارقة الاكبر هنا. القطاع الخاص الفلسطيني شريك بالفعل منذ سنوات، لكن بصفة دائن لا بصفة مستثمر. فهو يمول الخزينة قسرا عبر متأخرات لم تسدد، وعبر بنوك رفعت انكشافها على القطاع العام، وعبر تجار يبيعون بالاجل لمؤسسات حكومية. من يجلس مع دائنه ليعرض عليه شراكة جديدة يبدأ عادة بجدولة القديم. لو خصص الاجتماع لجدول زمني لتسديد المتأخرات، او لتفعيل بنود معطلة من بروتوكول باريس مثل استيراد المواد البترولية، او لخطة عملية لخفض الاعتماد على المقاصة، لكان الخبر اهم بكثير من عنوان تشريعي جديد. يبقى التوقيت، وهو الاعقد. الاقتراع للمجلس التشريعي محدد في الثامن والعشرين من تشرين الثاني، اي بعد اقل من تسعين يوما. والقرار بقانون اداة استثنائية شرعت لحالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير، ويصعب اقناع احد بأن قانونا هيكليا ينظم عقودا تمتد لعقود يقع في هذه الخانة بعد ثمانية عشر عاما من الانتظار. وللمسألة وجه مالي لا سياسي: الممول والمستثمر يسعران المخاطر القانونية، وقانون يصدر عن سلطة تنفيذية عشية ولادة سلطة تشريعية سيقرأ في نماذج المخاطر كنص قابل لاعادة الفتح والتعديل. اي ان الاستعجال نفسه يقلل من قيمة النص. والاجدى ان يستكمل الملف ويحال جاهزا الى اللجنة الاقتصادية في مجلس منتخب، فيكتسب شرعية تشريعية تعادل في نظر الممولين ضمانة اضافية بلا كلفة. ما ينقص ليس النص بل ما حوله: سجل للالتزامات الطارئة في وزارة المالية، ووحدة تقيم القيمة مقابل المال قبل احالة اي مشروع، وقواعد صارمة للعروض غير المطلوبة تمنع التعاقد بالتراضي، ودور واضح لديوان الرقابة، ومحفظة مشاريع جاهزة للتمويل. من دون ذلك يصبح القانون غلافا انيقا لمحتوى غير موجود. الخلاصة ان ترتيب الاولويات ليس ترفا اداريا، بل هو اول اختبار للكفاءة الحكومية. الموظف ينتظر مطلع ايلول، والمقاول ينتظر مستحقاته، والمستثمر ينتظر محكمة تنفذ حكمها وارضا مسجلة. ومتى رتبت الحكومة ملفاتها الاولى فالاولى، فان قانون الشراكة سيجد من يقرأه ومن يستثمر بموجبه. اما قبل ذلك فهو اجتماع محترم في توقيت غير موفق.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)