من بعيد، تبدو البراكين النشطة والقديمة في شرق أفريقيا أو وسط المحيط الهندي منفصلة عن غيرها، لكنها ربما تحمل إشارة قادمة من أعماق بعيدة، من مناطق قريبة من الحد الفاصل بين نواة الأرض ووشاحها، أي الطبقة الصخرية الملتهبة الواقعة بين القشرة التي نعيش عليها والنواة العميقة في مركز الأرض.
في دراسة جديدة نشرت يوم 13 أغسطس/آب في مجلة "ساينس"، حاول فريق بحثي قراءة هذه الإشارات بطريقة تجمع بين أداتين مختلفتين: الأولى هي التصوير الزلزالي، أي استخدام الموجات الناتجة عن الزلازل لرسم صورة غير مباشرة لباطن الأرض، بطريقة تشبه إلى حد ما الأشعة المقطعية في الطب. أما الأداة الثانية فهي تحليل كيمياء الصخور البركانية، لأن الحمم التي تصل إلى السطح تحمل آثارا من المادة التي انصهرت في الأعماق قبل صعودها.
يقول شي يوان باو، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث في قسم علوم الأرض والكواكب بجامعة هارفارد، إن المشكلة القديمة في فهم بعض البراكين العميقة كانت معرفة مصدرها الحقيقي. فالصخور البركانية تكشف أن المواد التي خرجت منها ليست متشابهة كيميائيا، وهذا يعني أنها ربما جاءت من مصادر مختلفة داخل الوشاح. لكن تحديد مكان هذه المصادر في العمق ظل صعبا، لأن المادة المنصهرة لا تصعد في خطوط مستقيمة وبسيطة من أسفل إلى أعلى، بل قد تنحرف وتتشعب وتتأثر بالبنية المعقدة لباطن الأرض.
ولتقريب الصورة، يشرح شي يوان باو للجزيرة نت أنه يمكن تخيل جذور شجرة ضخمة تحت الأرض؛ بعض الجذور يتفرع، وبعضها يلتقي، وبعضها يلتف حول عوائق لا نراها. هذا هو تقريبا ما تفترضه الدراسة في "أعمدة الوشاح"، وهي صعودات حارة من أعماق الأرض قد تغذي بعض البراكين. هذه الأعمدة لا تبدو دائما كأنابيب رأسية واضحة، بل قد تكون جزءا من شبكة أوسع من المناطق العميقة التي تتحرك فيها الموجات الزلزالية ببطء أكبر، وغالبا ما يشير ذلك إلى حرارة أعلى أو تركيب صخري مختلف.
للتعامل مع هذا التعقيد، تعامل الفريق مع باطن الأرض كأنه خريطة طرق ثلاثية الأبعاد، ثم بحث عن أكثر المسارات احتمالا لأن تربط ثمانية مواقع بركانية بمصادرها العميقة قرب قاعدة الوشاح. وشملت الدراسة إقليم عفار في إثيوبيا، ومناطق أخرى من شرق أفريقيا، وجزر القمر، وريونيون، وماريون، وكروزيت، وكيرجولين، وأمستردام–سانت بول.
يقول الباحث: "لم تقدم النتائج مسارا واحدا نهائيا لكل بركان، بل مجموعة من المسارات المحتملة. وهذا مهم، لأن باطن الأرض لا يعطي إجابة واحدة سهلة. بعض المسارات كان أقصر، وبعضها مر عبر مناطق أبطأ في انتقال الموجات الزلزالية، وبعضها انحرف بوضوح قبل أن يصل إلى العمق. ومع ذلك، ظهرت صورة عامة مفادها أن هذه البراكين لا تعود كلها إلى مصدر واحد متجانس، بل إلى مناطق عميقة مختلفة".
التعليقات (0)