تتخذ الفنانة المقدسيّة تالا صندوقة من القش والنسيج لغةً بصريةً فريدةً لاستحضار التاريخ الفلسطيني وتوثيق ذاكرة مدينة القدس. وتستلهم صندوقة رؤيتها الفنية من إرث عائلتها العريق في مهنة التجارة، حيث تدمج بين الخامات الطبيعية المرتبطة بالبيئة الزراعية وبين المفاهيم الفنية المعاصرة. تهدف هذه الأعمال إلى تسليط الضوء على قضايا الهوية والتجربة الإنسانية التي يعيشها الفلسطيني في ظل المتغيرات المتسارعة.
وفي حديثها لوسائل إعلامية، أوضحت صندوقة أن القش يمثل بالنسبة لها وسيطاً تعبيرياً لا يقل أهمية عن الألوان أو الموسيقى، بل يتجاوز ذلك ليكون رابطاً حسياً بالتراب. وتستخدم تقنيات النسيج لتحويل هذه المادة الخام إلى قطع فنية وأثاث يحمل دلالات رمزية عميقة. تحاول الفنانة من خلال تصاميمها محاورة الوجدان الشعبي وتجسيد أثر الزمان والمكان على الذاكرة الفردية والجمعية.
وتركز معظم نتاجات صندوقة الفنية على فن تصميم الأثاث والأعمال التركيبية التي تخاطب التجارب النفسية والحياتية للجمهور. فهي ترى أن تفاصيل الحياة اليومية تنعكس بشكل مباشر على الإبداع، مما يجعل من قطع الأثاث التي تصنعها شهادة حية على الصمود والاستمرارية. وتطمح الفنانة إلى جعل الفن وسيلة لربط الأجيال الشابة بجذورهم الريفية والحضرية في آن واحد.
وتطرقت الفنانة إلى التحديات الجسيمة التي تواجه الحرفيين في فلسطين، لا سيما فيما يتعلق بتوفر المواد الأولية التقليدية. فقد كانت الحبال المصنوعة من قش القمح تُنتج محلياً بكثافة في الماضي، إلا أن هذا المشهد تغير بشكل دراماتيكي. وتعزو صندوقة هذا التراجع إلى انحسار المساحات الزراعية الفلسطينية بفعل سياسات التضييق التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد المزارعين والحرفيين.
وأشارت مصادر فنية إلى أن محاربة الصناعات التقليدية أدت إلى اندثار العديد من الورش المحلية التي كانت تزود الفنانين بموادهم. هذا الواقع دفع المبدعين الفلسطينيين إلى الاعتماد على المواد المستوردة من الخارج، بما في ذلك القش القادم من الصين. وتعبر هذه المفارقة عن حجم الاستهداف الذي يتعرض له الاقتصاد المقاوم والحرف التي تشكل جزءاً أصيلاً من الشخصية الوطنية الفلسطينية.
رغم هذه الصعوبات، تصر تالا صندوقة على إعادة تقديم القش كحامل للذاكرة الوطنية الفلسطينية وربطه بالهوية والمكان. فهي تسعى من خلال كل غرزة نسيج إلى إحياء الحرفة التقليدية وصبغها بصبغة فنية معاصرة تضمن بقاءها. إن عملها لا يقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل هو فعل مقاومة ثقافية يرفض تغييب التراث أو طمسه تحت وطأة الاستيراد والاحتلال.
التعليقات (0)