الأحد 30 أغسطس 2026 1:39 مساءً - بتوقيت القدس
عام 2002، بينما كانت دبابات الاحتلال الإسرائيلي تعيد اجتياح الضفة الغربية، وتحاصر نابلس، وتقتحم بلدتها القديمة وتهدم حجارتها التي عبرت عليها قرون من التاريخ، كان الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله رئيس جامعة النجاح الوطنية في حينه يحدّق في جهة أخرى من المشهد، حيث لا تصل عين المحتل، ولا ينتهي أفق المدينة عند دبابة أو حاجز.كانت نابلس تمر بواحدة من أصعب لحظاتها، اجتياح، وحصار، وفقر، وفلتان، وانحصار لهوامش الأمل، والإمكانيات، في ظل كل ذلك، أطلق الاستاذ الدكتور رامي الحمد الله مبادرة بناء الحرم الجامعي الجديد في نابلس، بدت الفكرة يومها أقرب إلى حلم جميل من شاب اكاديمي واعد، لكن الفكرة تصطدم بقسوة الواقع، كنت حينها طالبًا وناشطًا طلابيًا، وسمعت كثيرين يتساءلون: كيف يمكن بناء جامعة ستكلّف مئات الملايين، فيما المدينة مطوّقة، والطرقات مغلقة، والاقتصاد ينزف، والمستقبل نفسه يبدو محاصرًا، كان سؤالهم منطقيا، وواقعيا بحسابات اللحظة، بينما كان جوابه ابن المستقبل، إذ رأى الاستاذ الدكتور رامي الحمد الله في حينه أن الحصار لا يُواجَه بتأجيل الأحلام، وأن المدينة التي يهدم الاحتلال بيوتها تحتاج إلى بناء صروح تعليمية، لأن العلم هو أحد ميادين تعزيز صمود وبقاء المواطن في أرضه. وحين بدأت جرافات بلدية نابلس تشق الأرض في موقع الحرم الجديد، كانت تفتح نافذة في جدار اليأس، فبينما كان الاحتلال يهدم في البلدة القديمة، كانت النجاح تبني فضاءً للعلم، والإبداع والصمود والبقاء والحياة والأمل، هناك دبابة تقتحم التاريخ، وهنا جامعة تكتب المستقبل.اليوم ، لم يعد ذاك الحلم لذاك الشاب الاكاديمي صرحًا أكاديميًا وعلميًا متقدمًا فقط، بل أضحت النجاح أولى جامعات فلسطين، تقود اتحاد الجامعات المتوسطية، وتساهم في تعزيز الاقتصاد النابلسي، وتقود المشهد التعليمي على صعيد فلسطين، عبر ما يزيد عن 140!برنامج بكالوريوس و 100 برنامج ماجستير و 23 برنامج دكتوراه، وبرؤية تعليمية واعدة، تتجاوز التعليم التقليدي، نحو استشراف المستقبل وإعداد خريجين قادرين على المنافسة في سوق العمل المحلي والإقليمي والعالمي، من خلال مواكبة كل التطورات العالمية في حقل التعليم العالي، وعبر استراتيجية تجمع بين التعليم النوعي والبحث العلمي الذي تنتج النجاح وحدها 40% من مجمل ما ينتج وطنيا، والمسؤولية المجتمعية، والتعاون الدولي، والبنية التحتية، والحوكمة، ومواكبة التطورات التكنولوجية الحديثة، لتتصدر مواقع مرموقة في التصنيفات العالمية، ليس فقط كأولى جامعات فلسطين، إنما ايضا عبر حجزها لمواقع متقدمة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وتستقبل شباب فلسطين من النقب والساحل والجليل والمثلث، ومن القدس العاصمة، ومن مختلف مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها، ومن قطاع غزة، ومن طلبتنا في الشتات، فالجامعة التي وُلد حرمها الكبير تحت الحصار أثبتت أن الجغرافيا قد تُغلق بالحواجز، أما المعرفة فلا تعترف إلا باتساع الأفق.وبعد أربعة وعشرين عامًا، يقف الرجل نفسه- الاستاذ الدكتور رامي الحمد الله، بحكمة المجرب، وعقلية الحكيم، أمام حلم آخر، ليجعل منه حقيقة حاضرة.حيث افتتح مستشفى النجاح الوطني الجامعي يوم أمس قسم العلاج الإشعاعي في مركز النجاح للسرطان، في حدث يتجاوز إضافة قسم جديد إلى مستشفى؛ لأنه يتعلق بحق الفلسطيني في أن يُعالَج في وطنه، قريبًا من بيته وأسرته، بعيدًا عن رحلة التصاريح والحواجز والانتظار والإذلال ، إذ لا يُقاس العلاج للمريض بعدد الأجهزة والأسِرّة وحدها، بل بعدد المخاوف التي يبددها، والمسافات التي يختصرها، والأبواب التي يفتحها حين تُغلق المعابر. ولذلك، فإن كل خدمة طبية ننجح في توطينها هي مساحة نستردها من العجز، وخطوة باتجاه استقلال صحي لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال السيادة. إن افتتاح قسم العلاج الإشعاعي إنجاز لفلسطين، ولنابلس ، ومكسب حقيقي للوطن، وأمل لكل فلسطين. لكنه، قبل كل شيء، ثمرة عمل مؤسسي طويل اشترك فيه مجلس الأمناء وإدارة المستشفى وكوادره الطبية والتمريضية والفنية والإدارية، وآلاف الأيدي والعقول التي عملت في الضوء وخلفه حتى ينتقل المشروع من المخطط إلى الحياة.فالمؤسسات الكبرى لا يصنعها فرد، مهما عظم دوره، بل تحتاج إلى قيادة ترى أبعد، وتجمع الطاقات، وتحمي الفكرة من التعب والتردد، وهنا يظهر الدور المحوري للأستاذ الدكتور رامي الحمد الله، رئيس مجلس أمناء المستشفى، الذي تعامل مع هذا الصرح باعتباره مشروعًا صحيًا وطنيًا، لا منشأة طبية عابرة.من يعرفه، يعرف رجلًا لا يعرف التوقف عن العمل والعطاء. يحضر إلى حرم الجامعة قبل كثيرين، ويتابع التفاصيل بنفسه، ويسأل عن المشروع والطالب والمريض معًا، يستمع إلى الشباب، ويمنحهم فرصة الإدارة والمشاركة في القرار، ويتابع أوضاع الطلبة وهمومهم، ثم ينتقل في اللحظة ذاتها إلى التخطيط لمشروع كبير سيخدم أجيالًا لم تولد، رؤية ترى الشجرة والغابة معًا، عبر تفويض الصلاحيات لإدارة الجامعة التي جل أعضاءها من الشابات والشباب، وعبر متابعة الأمور اليومية الطارئة، من دون أن يفقد البوصلة الكبرى، وأن ينصت إلى طالب يحمل سؤالًا، بينما يحمل هو في ذهنه مشروع جامعة أو مستشفى أو مركز للسرطان، ويترأس لجنة الانتخابات المركزية بكل قدرة ومهنية واقتدار .أن قسم العلاج الإشعاعي ليس جزيرة منفصلة، فهو جزء من منظومة طبية واسعة يقدمها مستشفى النجاح في علاج أمراض الدم والأورام، والجهاز الهضمي والكبد، والكلى، والغدد الصماء والسكري، والقلب والأوعية الدموية، والأعصاب والدماغ، والروماتيزم، والأمراض السارية والمعدية، إلى جانب زراعة نخاع العظم والعناية الحثيثة والإنعاش, وتخصصات جراحية دقيقة تشمل جراحة القلب والصدر والأوعية الدموية والأعصاب والعظام والأطفال والعيون والكلى والمسالك البولية والأنف والأذن والحنجرة والجراحة العامة وغيرها. وهكذا يغدو العلاج الإشعاعي حلقة أساسية في منظومة متكاملة، لا جهازًا معزولًا ولا عنوانًا احتفاليًا.وتتضاعف قيمة الإنجاز لأن مستشفى النجاح الوطني الجامعي مستشفى تعليمي غير ربحي؛ لا ينظر إلى المريض بوصفه رقمًا في حساب، بل إنسانًا له حق في العلاج والكرامة. وهو لا يعالج مريض اليوم فحسب، بل يدرّب طبيب الغد، ويبني خبرة وطنية، ويفتح للبحث العلمي بابًا كي تنتج فلسطين المعرفة الطبية، لا أن تبقى مستهلكة لها.بعد أشهر قليلة، سيقود الرجل ذاته، بإذن الله، افتتاح المبنى الجديد لمستشفى الأطفال والولادة، المستشفى الفريد من نوعه في فلسطين من حيث تكامل تخصصاته الدقيقة، ليشكل بيتًا للحياة في لحظتها الأولى؛ يحمي الأم، ويحتضن المولود، ويمنح الطفل المريض فرصة للعلاج، ويخفف عن عائلات شمال الضفة أعباء السفر والبحث عن الرعاية المتخصصة.بين قسم العلاج الإشعاعي ومستشفى الأطفال والولادة تتضح الرؤية: مشروع يسند مشروعًا، وإنجاز يفتح الباب لإنجاز آخر، فلا وقت للاكتفاء بما تحقق حين تكون حاجات الناس أكبر، ولا مكان للتوقف حين يكون في الطريق مريض ينتظر وطالب يحلم وطفل يستعد لأن يولد.وفي هذه اللحظة، يجب أن نتوجه بالامتنان إلى أهل الخير جميعًا: إلى الشخصيات الوطنية ورجال الأعمال والمؤسسات والشركات، وإلى أبناء شعبنا في الوطن والشتات، وإلى كل من تبرع وما زال يتبرع لهذا المستشفى. فما قدموه تحول إلى جهاز يعالج، وحاضنة تحمي، وغرفة عمليات تنقذ، وسرير يمنح المتعب بعض الطمأنينة، كل متبرع شريك في هذا الإنجاز، وكل مساهمة، مهما كان حجمها، انحازت إلى الحياة.بين جرافة بدأت حفر الحرم الجديد عام 2002، وجهاز للعلاج الإشعاعي يبدأ عمله اليوم، تمتد حكاية فلسطينية كاملة: هم يهدمون ونحن نبني؛ هم يضيّقون الأرض ونحن نوسّع الأمل؛ هم يراهنون على تعبنا، ونحن نجيبهم بجامعة ومستشفى وطبيب وطفل يولد.
مستشفى النجاح الوطني الجامعي: صرح فلسطيني ينتصر للعلم والحياة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)