الأحد 30 أغسطس 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس
كتبت في المقال السابق "التعليم ركيزة الأمن القومي" أن الأمن التربوي ليس شأنا قطاعيًا يخص وزارة التربية والتعليم وحدها، بل أحد مكونات الأمن القومي ، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على حماية تعليم أطفاله ووعيهم ومستقبلهم، يفقد تدريجيا جزءا من قدرته على حماية ذاته وهويته واستمراره. لكن هذه الفكرة تكتسب معناها الأكثر قسوة حين نطرح سؤالا فلسطينيا مباشرا: ماذا يحدث للأمن التربوي عندما ينتزع الطفل نفسه من مقعده الدراسي ويودع المعتقل؟حين يُقتاد طفل فلسطيني من فراشه في منتصف الليل، أو يُعتقل من أمام مدرسته أو في طريقه إليها، فإن الذي ينكسر ليس حريته وشعوره بالأمان فقط ، ينقطع أيضا مساره التعليمي. صفه، ومنهاجه، وامتحاناته، وعلاقته بمعلمه وزملائه، وربما تصوره لمستقبله، تتوقف فجأة عند لحظة الاعتقال. وعندما يعود بعد أسابيع أو أشهر، لا يمكن أن نفترض ببساطة أنه سيستأنف حياته الدراسية من النقطة التي غادرها.تحققت الأمم المتحدة خلال عام 2025 من احتجاز 981 طفلًا فلسطينياً، بينهم 973 فتى وثماني فتيات، ونسبت الغالبية العظمى من الحالات إلى القوات الإسرائيلية، فيما أفادت السلطات الإسرائيلية بأن 180 طفلا كانوا في نهاية العام رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة. لكن خلف هذه الأرقام سؤالا لا يظهر عادة في الإحصاءات: أين أصبح هؤلاء الأطفال في مسارهم التعليمي؟فالنقاش حول اعتقال الأطفال يتوقف غالبا عند الأسئلة الحقوقية والقانونية الضرورية: كيف اعتُقل الطفل؟ وكيف عومل؟ ومتى سيُفرج عنه؟ لكن ثمة سؤالا تربويًا لا يقل أهمية: ماذا عن الطفل بوصفه طالبا؟ ماذا حدث لمنهاجه وامتحاناته ومستواه الدراسي أثناء الاعتقال؟ وحين عاد إلى بيته، هل عاد فعلا إلى تعليمه أم عاد فقط إلى عنوان مدرسته؟هنا أعتقد أننا بحاجة إلى مفهوم يتجاوز "الفاقد التعليمي" و"التسرب"، وهو :"المسار التعليمي المكسور" وأقصد به الانقطاع القسري الذي لا يقتصر على فقدان الطفل حصصا أو أشهرا دراسية، بل يصيب استمرارية علاقته بالتعليم معرفيا ونفسيا واجتماعيا، منذ لحظة انتزاعه من المدرسة، مرورًا بالاحتجاز، وحتى قدرته الفعلية على العودة والاستمرار بعد الإفراج.فالطفل لا يفقد أثناء الاعتقال صفحات من كتاب فقط ، قد يفقد إيقاع الدراسة، وصلته بزملائه، وثقته بقدرته على اللحاق بهم، وشعوره بأنه ما زال طالبا، وربما يفقد الأخطر: تصوره لمستقبله التعليمي. ولذلك قد يتحول المسار من اعتقال وغياب ثم عودة إلى سلسلة أكثر خطورة: اعتقال، فكسر في المسار، ففجوة معرفية ونفسية، فتعثر أو تسرب، ثم خسارة في رأس المال البشري الفلسطيني. وعند هذه النقطة لا تعود القضية مشكلة فردية، بل تصبح جزءًا من الأمن التربوي، وبالتالي من الأمن القومي.وللفلسطينيين تجربة رائدة في تحويل السجون إلى فضاءات للتعلم والقراءة وإنتاج المعرفة رغم القيود. لكن هذا الصمود، مهما كان ملهما، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن المسؤولية المؤسسية، خصوصا تجاه الأطفال. فالطفل ليس أسيرا بالغا بحجم أصغر ، إنه إنسان في مرحلة نمو، وصاحب حق في تعليم يناسب عمره ومرحلته الدراسية. ولا يجوز أن نطالبه بأن يعوض بقوة إرادته وحدها ما يفترض أن تحميه منظومة تربوية كاملة.كما أن المشكلة لا تنتهي عند بوابة المعتقل. فقد يكون الإفراج نهاية الاعتقال، لكنه تربويا بداية تحد جديد. يعود الطفل إلى مدرسة استمرت من دونه، وزملاء تقدموا في المنهاج، وربما يعود وهو يحمل تجربة نفسية ثقيلة. وهنا يقع الخطأ حين نساوي بين إعادة تسجيل الطفل في المدرسة واستعادة مساره التعليمي. الأولى إجراء إداري، أما الثانية فهي عملية تربوية ونفسية واجتماعية تحتاج إلى خطة ومتابعة.ولهذا نحتاج إلى "جسر عودة" يبدأ منذ لحظة الاعتقال: يبقى ملف الطفل الدراسي مفتوحا، ويوثق مستواه وما فاته وما أمكن أن يتعلمه أثناء الاحتجاز. وعند الإفراج يخضع لتقييم تشخيصي لا لامتحان يعاقبه على غياب لم يختره، ثم توضع له خطة لاستدراك ما فاته، مقرونة بدعم نفسي واجتماعي وتأهيل للمعلم والمدرسة لاستقباله، ومتابعة بعد شهر وثلاثة أشهر ونهاية العام للتأكد من أنه لم يعد إلى المقعد فقط، بل استعاد مساره فعلًا.وهكذا يصبح أمامنا مسار واضح: المسار المدرسي← الاعتقال والكسر← جسر العودة← استعادة المسار. ويمكن تحويل هذه الفكرة إلى بروتوكول وطني لحماية المسار التعليمي للأطفال المعتقلين والمحررين، تتكامل فيه مسؤولية المدرسة والأسرة والمعلم والمؤسسات التربوية والنفسية والاجتماعية، مع قاعدة بيانات تجيب عن سؤال جوهري: كم طفلا اعتُقل وعاد إلى المدرسة؟ وكم منهم استمر؟ وكم تعثر أو غادر التعليم؟ ولماذا؟ لأن ما لا نقيسه يصعب علينا حمايته.وإذا كنت قد طرحت في المقال السابق أن الأمن التربوي يقوم على حماية الوصول إلى التعليم، وجودة المعرفة، والسيادة على المرجعية المعرفية الوطنية، فإن تجربة الطفل المعتقل تضيف بعدا رابعا لا يقل أهمية: حماية استمرارية المسار التعليمي. فليس كافيا أن تكون المدرسة موجودة والمنهاج متاحا إذا كان الطفل يمكن أن يُنتزع من هذا المسار ثم يعود دون منظومة تعيد وصله به.إن اعتقال طفل وانقطاعه عن التعليم مأساة فردية وأسرية، لكن تكرار ذلك عبر مئات الأطفال، وما قد ينتج عنه من فجوات تعليمية وتعثر وتسرب وضياع للفرص، يمثل استنزافا تراكميا لرأس المال البشري الفلسطيني.وهنا تحديداً تصبح حماية المسار التعليمي جزءا من حماية الأمن القومي. فالمعركة من أجل حق الطفل الفلسطيني في التعليم لا تبدأ يوم الإفراج ولا تنتهي عند بوابة المدرسة. إنها تبدأ منذ اللحظة التي يُنتزع فيها من مقعده، ولا تنتهي إلا عندما يستعيد قدرته على التعلم والاستمرار والحلم بمستقبل لم يُصادر معه.وإذا كان الاحتلال يستطيع أن ينتزع طفلا من مقعده، فإن مسؤوليتنا الوطنية والتربوية هي ألا نسمح له بأن ينتزع منه مستقبله أيضا.لقد سألت في المقال السابق: كيف ندخل العالم إلى المدرسة الفلسطينية دون أن نفقد فلسطين داخل المدرسة؟ والسؤال الذي يفرضه الطفل المعتقل اليوم هو: كيف نعيد الطفل إلى المدرسة دون أن نترك جزءا منه خلف قضبان الاعتقال؟فالمقعد الذي يعود إليه الطفل بعد الأسر ليس مجرد مقعد في صف ، إنه موقع صغير في معركة أكبر على الإنسان الفلسطيني ووعيه ومستقبله. وهنا يتجسد معنى أن يكون التعليم ركيزة للأمن القومي: فالأمن التربوي لا يعني أن تبقى المدرسة مفتوحة فقط، بل أن يبقى الطريق بين الطفل ومدرسته ومستقبله مفتوحا، مهما حاول الاحتلال قطعه.
التعليم ركيزة الأمن القومي: (2) المسار التعليمي المكسور
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)