ما زال قرار وزير الحرب في دولة الاحتلال ، يسرائيل كاتس ، نقل ما يسمى صلاحيات " إنفاذ القانون " في الضفة الغربية من الجيش الى شرطة الاحتلال يثير جدلا بين قادة الجيش والوزير. فقد كشفت صحيفة "هآرتس"، الأحد الماضي ، أن جيش الاحتلال يعتزم إبلاغ الوزير ، يسرائيل كاتس ، بموقف قانوني ومهني مفاده استحالة نقل صلاحيات إنفاذ القانون على المستوطنين في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، في ظل الوضع القانوني القائم، وأن نقل هذه الصلاحيات بصورة كاملة لا يمكن أن يتم إلا في حال ضم الضفة الغربية المحتلة رسميًا إلى إسرائيل . ووفق الصحيفة، فإن تقديرات داخل جيش الاحتلال تشير إلى أن القرار لا يستند قط إلى اعتبارات مهنية، وإنما يرتبط بدوافع سياسية، على أبواب انتخابات الكنيست في تشرين أول القادم ، بينها إفساح المجال أمام إقامة بؤر استيطانية و"مزارع" جديدة في الضفة الغربية من دون أن يتحمل الوزير والجيش مسؤولية إنفاذ القانون فيها. وأوضحت أن الجيش يتجنب في هذه المرحلة الدخول في مواجهة علنية مع كاتس، وسيعرض موقفه على المستويين المهني والقانوني، مع تركيز النقاش على مدى إمكانية نقل صلاحيات الإنفاذ إلى الشرطة ضمن الإطار القانوني الحالي.
ويستند موقف الجيش، بحسب الصحيفة، إلى أحكام القانون الإسرائيلي والقانون الدولي، إذ إن الضفة الغربية، منذ احتلالها عام 1967، لا تُعد جزءًا من إسرائيل من الناحية القانونية، وبالتالي يتولى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال مسؤولية إدارة الضفة بموجب صلاحياته كقائد عسكري للمنطقة. وترى المؤسسة العسكرية أن نقل صلاحيات الإنفاذ يستلزم أولًا إجراء تسوية قانونية تتعلق بمصدر الصلاحيات في الضفة الغربية، وتسلسل القيادة الأمنية، والمسؤولية القانونية عن العمليات الميدانية. ويحذر مسؤولون في جيش الاحتلال من التداعيات الدولية لهذه الخطوة، مؤكدين أنه ما دامت إسرائيل لم تفرض رسميًا قوانينها و"سيادتها" على الضفة الغربية، فإن المسؤولية القانونية عن المنطقة ستبقى في يد الجيش، حتى في حال نقل جزء من صلاحيات الإنفاذ إلى الشرطة. ويشمل ذلك مسؤولية المسؤولين الإسرائيليين عما يجري في الضفة أمام المحاكم والهيئات الدولية ، وأن معظم قيادة جيش الاحتلال تعارض خطة نقل هذه الصلاحيات إلى الشرطة بصيغتها الحالية، باستثناء منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، يورام هليفي، الذي طرح خطة لنقل جزء من هذه الصلاحيات.
ويشكل قرار وزير الدفاع يسرائيل كاتس بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة الغربية إلى الشرطة أداة إدانة قانونية مباشرة وتلقائية ضد القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أمام محكمة الجنايات الدولية (ICC)؛ حيث يمنح الادعاء العام في المحكمة أدلة ملموسة وموثقة تثبت ارتكاب "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية". وتتلخص التأثيرات القانونية المباشرة لهذا القرار على التحقيقات الجارية في المحكمة الجنائية في عدد من المجالات ، منها إثبات جريمة "الضم الزاحف" و"الاستيطان" كجريمة حرب . فبموجب نظام روما الأساسي (المادة 8)، يُعتبر "قيام سلطة الاحتلال بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها" جريمة حرب. كما يفكك القرار الحجة الإسرائيلية بادعاء أن وجودها في الضفة هو "احتلال عسكري مؤقت" تفرضه الضرورة الأمنية. وفي هذه الحالة ، فإن نقل الصلاحيات إلى جهاز شرطي مدني (يخضع لوزير سياسي مثل بن غفير) يُسقط قناع "المؤقت"، ويُقدم للمحكمة دليلاً رسمياً صادراً عن الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ "ضم فعلي ومؤسساتي" (De Facto Annexation) للأراضي المحتلة. كما يُمثل هذا القرار تطبيقاً نموذجياً لجريمة الفصل العنصري كما تُعرفها المحكمة الجنائية الدولية؛ حيث يؤدي الإجراء إلى إخضاع مجموعتين بشريتين تعيشان في البقعة الجغرافية نفسها لنظامين قانونيين منفصلين تماماً:المستوطنون ، الذين يخضعون للقانون المدني الإسرائيلي وجهاز الشرطة (معاملة المواطن داخل دولة إسرائيل) والفلسطينيون الخاضعون للأوامر العسكرية الصارمة والمحاكم العسكرية وجيش الاحتلال. أخبار ذات صلة منظمة حقوقية تعلق على نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى شرطة الاحتلال أول تعليق من "حماس" على قرار كاتس نقل الصلاحيات في الضفة إلى الشرطة
وتتلخص الدوافع والمخاوف الأمنية والقانونية وراء رفض الجيش لهذه القرار في الموانع القانونية والملاحقة الدولية والمسؤولية الجنائية الدولية ، حيث يحذر الجيش من أنه طالما لم تُفرض "السيادة" الرسمية على الضفة، فإن المسؤولية القانونية أمام المحاكم والهيئات الدولية عن أي انتهاكات أو عمليات ميدانية ستبقى على عاتق قيادة الجيش، حتى لو نُقلت الصلاحيات للشرطة. ويرى القانونيون في الجيش أن نقل الصلاحيات يستلزم أولاً تسوية معقدة تتعلق بمصدر الصلاحيات في المناطق المحتلة وتسلسل القيادة الأمنية ، ويعتقد الجيش أن الدوافع وراء هذا الطلب سياسية ، خاصة على أبواب انتخابات الكنيست في تشرين أول القادم ، وتهدف إلى تسهيل إقامة بؤر استيطانية ومزارع عشوائية وتثبيتها دون أن يمتلك الجيش الصلاحيات العسكرية لإخلائها أو إنفاذ القانون ضدها وأن الشرطة لا تمتلك القدرات اللازمة لتحمل أعباء هذه المهام في الضفة الغربية.
وإلى جانب يسرائيل كاتس ، يتسم موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالدعم الضمني الموجه للحفاظ على استقرار ائتلافه الحاكم وتجنب الصدام مع حلفائه من اليمين المتطرف. ويمكن تفصيل الدوافع والمواقف الحقيقية للرجلين على النحو التالي : الدوافع الحقيقية لوزير الجيش يسرائيل كاتس استرضاء اليمين المتطرف والمستوطنين حيث يسعى كاتس إلى تثبيت مكانته السياسية داخل حزب "الليكود" ونيل رضا القاعدة الانتخابية لليمين. وإثبات أنه يتبنى سياسة مغايرة لأسلافه الذين كانوا يدعمون دائمًا موقف قادة الجيش . اما موقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فهوالدعم غير المباشر والموافقة الضمنية فلم يعترض نتنياهو على قرار كاتس؛ بل إن الخطوات التنسيقية المشتركة (مثل تشكيل أطر التعاون بين الشاباك والشرطة والجيش) انطلقت أصلًا بناءً على توجيهات سابقة من نتنياهو لتهدئة الأوضاع المتوترة داخل الائتلاف . ويدرك نتنياهو أن شريكه المتطرف إيتمار بن غفير يهدد بانتظام بإسقاط الحكومة إذا لم يتم تسليمه صلاحيات أوسع في الضفة. لذا، يعتبر نتنياهو خطوة كاتس بمثابة "صمام أمان" يرضي بن غفير . كما يتوافق هذا القرار مع استراتيجية نتنياهو طويلة المدى، والتي تعتمد على نقل إدارة الحياة المدنية للمستوطنين في الضفة
الغربية من الهيئات العسكرية إلى الهيئات والوزارات المدنية الإسرائيلية بالتدريج (وهو ما بدأه سابقاً بمنح صلاحيات واسعة للوزير بتسلئيل سموتريتش في وزارة الدفاع)، وذلك لتجنب إثارة ردود فعل دولية حادة أو ملاحقات قضائية دولية فورية
التعليقات (0)