السّبت 29 أغسطس 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس
لا أعتقد أن هناك أجمل من مرحلة الراديو في حياتنا، وخصوصًا نحن مواليد الثمانينات والتسعينات. وربما كان جمال تلك المرحلة مرتبطًا بالانتظار الجميل؛ انتظار برنامج معين، أو طلب أغنية وانتظار سماعها، أو الاتصال والمشاركة وانتظار الدور. كان الانتظار آنذاك جزءًا من المتعة، وكان يمنح الأشياء قيمة لا نشعر بها اليوم.وحين تزامن ظهور الهواتف المتنقلة مع عشقنا للراديو، كانت الهواتف قليلة ومحدودة، ووجودها في أيدينا مرتبطًا بالاتصال فقط. أما اليوم.. فقد أصبح الهاتف عالمًا كاملًا؛ فيه الحاسبة، والمذكرة، والجريدة، والأغنيات، والأخبار، والطقس، والألعاب، والفيديوهات التعليمية، وحتى مفسرات الأحلام. وفجأة وجد الإنسان نفسه لا يستطيع الاستغناء عن هذا المستطيل الصغير في يده.والأخطر أن الهاتف، الذي يفترض أن يقرّبنا من العالم، جعل بعضنا يفضّل الجلوس معه وحيدًا، وهاتفه إلى جانبه، ومشروبه المفضل أمامه، مستعدًا للتخلي عن أقرب الناس إليه، المهم ألا يفقد شاحن جهازه! يا للعجب!لهذا تبدو لي مرحلة الراديو كالتجول في متحف للذاكرة؛ أصوات مذيعين ومذيعات ارتبطت في وجداننا بالحب الطفولي العفوي، وأيام نتائج التوجيهي، وصباحات البيوت، وأصوات أمهات الأسرى ودعواتهن لأبنائهن. كان شعورًا مرتبطًا باليقين؛ أن الأم على يقين بأن ابنها في الزنزانة على السمع، وأن صوتها سيصل إليه.وأنا لا أتذكر الراديو مستمعة فقط؛ فقد كنت خلف الميكروفون أيضًا، وكنت أشعر أنني أملك العالم. بدأت تجربتي الإعلامية ببرامج المسابقات، ثم البرنامج الصباحي الذي كنت أراه نافذة أمل لكثير من ربات البيوت، وصولًا إلى "وتر النصر" الذي عُني بالأسرى المثقفين.كنت أشعر بالفخر لأنني كنت جزءًا من الطريق الذي عبرت من خلاله حروف الأسرى من الزنازين نحو الحرية. ورغم إغلاق قناتي على يوتيوب وحظر صفحتي الرئيسية على فيسبوك بسبب ذلك المحتوى، بقي يقيني أن الحروف سبقت أصحابها. والأجمل أن أغلب الأسرى الذين كان لهم نصيب في "وتر النصر" تحرروا بعد نحو عام من تحرر حروفهم عبر أثير البرنامج.كان الميكروفون بالنسبة إليّ أكثر من أداة عمل؛ كان مسؤولية. كنت أعرف أن خلف كل صوت أسمعه مستمعًا له حكاية لا أعرفها، وربما امرأة وحيدة تنتظر كلمة، أو أسيرًا ينتظر أن يسمع اسمه، أو شابًا يبحث عن أغنية تشبه حالته. لذلك لم أكن أشعر أنني أتحدث إلى فراغ، بل إلى قلوب حقيقية، وهذا ما جعل للإذاعة في داخلي معنى لا يشبه أي وسيلة إعلام أخرى.لهذا لا أحن إلى الراديو وحده، أحن إلى الإنسان الذي كنا عليه معه. لقد منحتنا السرعة اليوم كل ما نريد بكبسة زر، لكنها سرقت منا شيئًا ثمينًا.. لقد سرقت متعة الانتظار.لذلك بقيت ذاكرة الراديو نقية؛ لأننا لم نكن نملك كل شيء، فكان لكل شيء قيمة. وربما لم ينتهِ زمن الراديو إنما تغيّر شكله، وبقي الصوت الإنساني قادرًا على الوصول إلى القلب. ما نحتاجه اليوم ليس راديو الأمس، نحتاج شيئًا من روحه وهو "أن نتعلم فن الإصغاء من جديد"
"ليتنا نتعلم فن الإصغاء من جديد" الراديو.. الذاكرة النقية
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
د. منى أبو حمدية باحثة في التراث والآثار
أحمد عثمان جلاجل: صحفي مقدسي من بلدة سلوان
التعليقات (0)