السّبت 29 أغسطس 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس
لم تعد واشنطن تخفي ما تريد. تريد السعودية أن تفتح باب المفاعلات النووية، وتريد أميركا أن تفتح لها باب التكنولوجيا النووية المدنية، لكن خلف الباب يقف شرط إسرائيلي واضح: التطبيع أولًا. هكذا تبدو الصفقة في أبسط صورها: الرياض تحصل على النووي السلمي، وإسرائيل تحصل على التطبيع، وواشنطن تحصل على الصفقة. أما فلسطين، فيُطلب منها كالعادة أن تنتظر.قبل أيام، أحالت إدارة دونالد ترامب الاتفاق النووي المدني مع السعودية إلى الكونغرس، في اتفاق يمتد ثلاثين عامًا، لكن واشنطن أبقت على شرطها بأن يمضي الاتفاق نحو التنفيذ إذا وافقت الرياض على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. وفي المقابل، لا تزال السعودية تقول إن التطبيع لن يتم من دون مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية.وهنا لا يعود السؤال: هل من حق السعودية أن تمتلك برنامجًا نوويًا سلميًا؟ بالتأكيد من حقها. السؤال الأخطر هو: لماذا يجب أن يكون التطبيع مع دولة الاحتلال ثمنًا لهذا الحق؟ ولماذا تصر واشنطن على إدخال إسرائيل في معادلة لا علاقة مباشرة لها بالطاقة النووية؟ الإجابة تبدو واضحة. لأن واشنطن لا تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه مجموعة دول تبحث عن مصالحها، بل بوصفه رقعة شطرنج، تريد أن تعيد ترتيبها بما يخدم إسرائيل أولًا، والمصالح الأميركية ثانيًا، ثم تترك لشعوب المنطقة مهمة التكيف مع النتائج.التطبيع السعودي ليس تفصيلًا عابرًا. السعودية ليست الإمارات أو البحرين أو المغرب. وزنها السياسي والديني والاقتصادي يجعل اعترافها بإسرائيل مختلفًا، ويمنح إسرائيل اختراقًا عربيًا له قيمة رمزية وسياسية هائلة. ولهذا تريد إسرائيل هذا التطبيع، وتريده واشنطن. لكن السؤال الذي يجب أن يقال بصوت مرتفع هو: ماذا ستدفع إسرائيل مقابل هذا المكسب؟ هل ستنهي الاحتلال؟ هل ستوقف الاستيطان؟ هل ستقبل بدولة فلسطينية مستقلة؟ هل ستعيد للفلسطينيين ما صادرته عقود الاحتلال من أرض وحرية وحقوق؟ أم أن المطلوب من العرب أن يقدموا التطبيع الآن، ثم يحصل الفلسطينيون على «مسار» و«رؤية» و«خريطة طريق» ووعود جديدة؟لقد جُرّبت هذه اللغة طويلًا. كلما اقترب العرب من إسرائيل، قيل للفلسطينيين إن السلام أصبح أقرب. لكن ماذا حدث؟ كبرت المستوطنات، وتمدد الاحتلال، وتقلصت الأرض، وتحولت الدولة الفلسطينية من وعد إلى مشروع مؤجل، ثم إلى «حل قابل للتفاوض»، ثم إلى عبارة دبلوماسية تتكرر في البيانات الرسمية بينما يجري على الأرض شيء آخر تمامًا.لهذا يجب الحذر من العبارة الناعمة: «التطبيع مقابل السلام». فالمطروح اليوم ليس سلامًا بالمعنى الحقيقي. إنه تبادل مصالح. أميركا تمنح السعودية تعاونًا نوويًا وأمنيًا واقتصاديًا، والسعودية تمنح أميركا شراكة استراتيجية أوسع، وإسرائيل تحصل على التطبيع. والفلسطينيون؟ يحصلون على وعد بأن يتم الحديث عنهم في المرحلة التالية.وهذه هي أخطر نقطة في الصفقة: أن تتحول فلسطين من قضية شعب تحت الاحتلال إلى بند ملحق في اتفاقات الدول، وأن يصبح حق الفلسطيني في دولته قابلًا للمساومة، بينما يصبح الاعتراف بإسرائيل إنجازًا عاجلًا لا يحتمل الانتظار.لا أحد يطلب من السعودية أن تكون رهينة لفلسطين، ولا أحد يطلب منها التخلي عن مصالحها أو حقها في تطوير برنامج نووي مدني. لكن من حق الفلسطينيين أن يسألوا: إذا كان التطبيع السعودي ذا قيمة استراتيجية إلى هذا الحد بالنسبة لإسرائيل، فلماذا لا تستخدم السعودية هذه القيمة للحصول على شيء حقيقي لفلسطين، لا مجرد تعهد أميركي جديد؟ لماذا لا يكون قيام الدولة الفلسطينية شرطًا سابقًا على التطبيع، وليس وعدًا يأتي بعده؟ ولماذا لا يكون وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة شروطًا مكتوبة وملزمة، بدل أن تبقى عبارات قابلة للتأويل؟فالخطر ليس في المفاعل النووي. الخطر في أن يتحول التطبيع إلى شيك مفتوح لإسرائيل، وأن تحصل إسرائيل على الاعتراف، ثم تبدأ عملية طويلة من التفاوض حول الدولة الفلسطينية، فيما تستمر على الأرض في صناعة واقع يجعل تلك الدولة مستحيلة. والمفارقة الأكثر قسوة أن العالم الذي يخشى من امتلاك إيران أو السعودية أو أي دولة أخرى قدرات نووية، لا يبدو بالقدر نفسه قلقًا من امتلاك إسرائيل ترسانة نووية خارج إطار معاهدة عدم الانتشار. وهنا يصبح السؤال عن «الأمن الإقليمي» سؤالًا ناقصًا إذا لم يشمل الجميع.فأي شرق أوسط يريدونه؟ شرق أوسط تمتلك فيه إسرائيل القوة النووية، وتحصل فيه السعودية على برنامج مدني، وتبقى فيه فلسطين بلا دولة؟ إذا كان هذا هو الشرق الأوسط الجديد، فهو ليس شرق أوسط للسلام. إنه شرق أوسط لتثبيت موازين القوة.والولايات المتحدة تعرف جيدًا أن السعودية تمتلك ورقة مهمة. ولذلك تحاول تحويل البرنامج النووي إلى ورقة ضغط من أجل التطبيع. لكن السعودية تمتلك بدورها ورقة أكبر: أن تقول لا. لا للتطبيع المجاني، لا لتحويل فلسطين إلى تفصيل، ولا لأن تحصل إسرائيل على الجائزة قبل أن تدفع ثمنها السياسي. والأهم: لا لأن يتحول مستقبل المنطقة إلى صفقة مغلقة بين واشنطن وتل أبيب والرياض، بينما يجلس الفلسطيني خارج الغرفة التي يُقرر فيها مصير أرضه.قد تبدو الصفقة في واشنطن انتصارًا للدبلوماسية، وقد تبدو في الرياض فرصة للحصول على التكنولوجيا النووية والطاقة والأمن، وقد تبدو في تل أبيب اختراقًا تاريخيًا. لكن التاريخ لا يُقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها الحكومات. التاريخ يُقاس أيضًا بمن خسر أرضه، ومن بقي بلا دولة، ومن تحول حقه إلى ورقة تفاوض.ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستطبع السعودية مع إسرائيل مقابل النووي؟ السؤال الحقيقي هو: هل ستسمح السعودية بأن يكون التطبيع هو الثمن الذي تدفعه فلسطين؟ لأن فلسطين ليست بندًا في اتفاق نووي، وليست هامشًا في صفقة أميركية، وليست جائزة ترضية تُمنح للفلسطينيين بعد أن تنتهي مراسم توقيع الاتفاق. فلسطين هي أصل الحكاية. ومن يريد صناعة شرق أوسط جديد، عليه أن يتذكر أن تجاهل أصل الحكاية لن يصنع سلامًا. سيصنع صفقة فقط. والصفقات تنتهي بالتوقيع. أما الاحتلال، فيبقى.
التطبيع أولًا.. وفلسطين إلى إشعار آخر
وليد العوض – عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطين
د. منى أبو حمدية باحثة في التراث والآثار
أحمد عثمان جلاجل: صحفي مقدسي من بلدة سلوان
التعليقات (0)