ثمة مفارقة فلسطينية عميقة تستحق أن نقرأها بعيدًا عن المحاكمة والتخوين، باعتبارها محاولة لفهم كيف يمكن لمشروع وطني أن ينتج، في طريقه إلى تحقيق غايته، بنية سياسية تصبح مع الوقت جزءًا من المشكلة التي كان يفترض أن تتجاوزها. فقد نشأت منظمة التحرير الفلسطينية في لحظة كان فيها الفلسطيني شعبًا بلا دولة، وأرضه موزعة بين الاحتلال واللجوء والمنفى، فكان لا بد من إطار وطني يعيد للفلسطيني حضوره السياسي ويمنحه صوتًا وتمثيلًا، ويعيد إليه موقع الفاعل في قضيته بعد أن كان الآخرون يتحدثون عنه أكثر مما يتحدث هو عن نفسه. وكانت المنظمة بهذا المعنى أكثر من مؤسسة؛ كانت محاولة لاستعادة الذات الفلسطينية وإعادة بناء الإرادة الوطنية.
لكن الانتقال من الثورة إلى السياسة، ومن السياسة إلى مشروع الدولة، فرض منطقًا جديدًا. لم يعد المطلوب حمل القضية فقط، بل إثبات القدرة على بناء مؤسسات حديثة، وإعداد كوادر سياسية وإدارية قادرة على إدارة الدولة حين تأتي لحظة الاستقلال. وكان ذلك منطقيًا وضروريًا. فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، ومشروع الاستقلال يحتاج إلى مؤسسات وخبرات تستطيع حمله.
غير أن المفارقة بدأت حين تأخرت الدولة بينما استمرت المؤسسات. كان يفترض أن تكون السلطة مرحلة، والمؤسسات جسرًا، والنخب أدوات للعبور؛ لكن المرحلة طالت، والجسر بقي قائمًا، وبدأ المؤقت يكتسب صفات الدائم. فكل مرحلة انتقالية طويلة تنتج مؤسساتها ومصالحها ومواقعها وشبكات نفوذها ونخبها، ومع الزمن يصبح لهذه البنية منطقها الخاص الذي قد لا يتطابق بالضرورة مع منطق التحول الذي أنشئت من أجله.
وهكذا لم تنتج منظمة التحرير ومشروعها السياسي مؤسسات فقط، بل أسهما، عبر التحول من حركة تحرر إلى سلطة، في إعادة تشكيل نخبة سياسية وإدارية واجتماعية ارتبطت بهذه المؤسسات ونمت داخلها. انتقل جزء من رجال الثورة إلى مواقع السلطة، وظهرت إلى جانبهم نخب إدارية وتكنوقراطية واقتصادية جديدة، وتداخلت شرعية النضال التاريخي مع شرعية المؤسسة. ولم يكن في ذلك خطأ بحد ذاته؛ فكل مجتمع يحتاج إلى قيادة وخبرة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول النخبة من أداة للعبور إلى جزء من بنية الاستقرار، ومن ممثل للشعب إلى وصي عليه، ومن صاحبة دور تاريخي إلى صاحبة حق ضمني في الاستمرار.
وهنا تصبح المسألة بنيوية لا أخلاقية. ليس مطلوبًا أن تكون النخبة فاسدة حتى تصبح جزءًا من المشكلة، ولا أن يكون أفرادها قد قرروا حماية مواقعهم على حساب المشروع الوطني. يكفي أن تعمل داخل نظام ضعفت فيه آليات التجديد والمساءلة والتغيير حتى تبدأ المؤسسة بإعادة إنتاج النخبة نفسها، ويبدأ الموقع العام في التحول من تكليف إلى امتياز، وتصبح الشرعية أقرب إلى الميراث منها إلى التفويض المتجدد.
وهذا هو التحول الأخطر: حين تصبح المؤسسة في خدمة استمرارها بدل أن تكون في خدمة المشروع الوطني، وحين يصبح المشروع مطالبًا بالتكيف مع متطلبات المؤسسة، وحين تتحول السلطة من وسيلة مؤقتة للوصول إلى الدولة إلى واقع له مصالحه وحساباته واستمراريته. عندها يصبح الجسر أطول من الطريق الذي كان يفترض أن يقود إليه.
التعليقات (0)