بعد رحلة اغتراب قسرية دامت نحو ثلاثة أعوام، عاد المواطن الفلسطيني أحمد السيقلي إلى قطاع غزة، محملاً بآمال اللقاء الذي انتظر طويلاً. لم تكن العودة كما رسمها في مخيلته، إذ كان يحلم باحتضان أطفاله السبعة بعد سنوات من الفراق، لكنه وجد نفسه يسير وحيداً بين ركام ذكرياتهم.
صدمة السيقلي كانت قاسية حين تسلم شهادات وفاة ستة من أبنائه دفعة واحدة، وهم مهند ومحمد وكنان وريان وليان وألين. لم تنجُ من العائلة سوى طفلة واحدة تبلغ اليوم من العمر 16 عاماً، لتبقى الشاهدة الوحيدة على تفاصيل حياة إخوتها الذين غيبتهم آلة الحرب الإسرائيلية.
بدأت فصول المعاناة عندما غادر أحمد القطاع قبل اندلاع الحرب بحثاً عن لقمة العيش داخل الخط الأخضر، لكن إغلاق المعابر والعدوان حال دون عودته. طوال أشهر الحرب، ظل عالقاً هناك قبل أن يتعرض للاعتقال والتنكيل على يد قوات الاحتلال لمدة شهر كامل، لينتهي به المطاف مطروداً نحو غزة المنكوبة.
يصف أحمد لحظة الحقيقة بكلمات تملؤها الغصة، مؤكداً أن شعوره كان لا يوصف من شدة الألم والخذلان. يقول السيقلي: 'كنت ذاهباً لأحضن أولادي، لكن للأسف لم أجدهم، لقد حضنت أوراقاً باردة تخبرني أنهم رحلوا للأبد، ولم أستوعب كيف سأواجه زوجتي دونهم'.
في مستشفى ناصر بمدينة خانيونس، كان اللقاء الأول بين أحمد وزوجته وابنته الناجية، وهو لقاء امتزجت فيه دموع النجاة بمرارة الفقد. الزوجة التي تحملت عبء الحرب وحدها لثلاث سنوات، لم تكن هي الأخرى بمنأى عن الاستهداف المباشر الذي طال عائلتها وأصابها بجروح بالغة.
تروي الزوجة تفاصيل مريرة عن لحظات بقائها تحت الأنقاض، حيث شهدت استشهاد أحد أطفالها وهي عاجزة عن الحركة. تقول بأسى: 'قضيت ثلاث سنوات وحيدة مع ابنتي، كانت تجربة تفوق قدرة البشر، خاصة بعد أن أصبحت مسؤولة عن طفلة يتيمة الإخوة في ظل دمار شامل'.
التعليقات (0)