قبل أكثر من شهر، وتحديداً يوم الـ 24 من يوليو/ تموز الماضي، انقلب الفرح إلى ترح، انطفأت الأضواء وحل الظلام، غاب المدعوون وحضرت المعاناة، كل ذلك في كنف منزل عاكف اشتية (60 عاماً) في بلدة سالم شرق مدينة نابلس شمال الضفة الغربية. العائلة التي كانت قد أكملت استعداداتها في الليلة التي سبقت ذلك اليوم لتزف أنس (30 عاماً)، كانت قد أنهت حفلة الحناء ومراسم العَشاء، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال الإسرائيلي المنزل قبيل الفجر وتعتقل العريس، ليغيب عن المناسبة التي انتظرها طويلاً، وتتحول فرحة الأسرة إلى صدمة جديدة تضاف إلى سجل طويل من الاعتقالات والملاحقات. يقول الأب: "إن اعتقال نجلي حرمنا من فرحة لطالما انتظرناها، فالحدث لم يكن منفصلاً عن سياق استهداف متواصل طال أفراد الأسرة على مدى سنوات طويلة، إذ سبق لأنس أن أمضى نحو خمس سنوات في سجون الاحتلال". بدأت الأحداث، وفق الأب، تتدحرج، بعد أن اقتحم ضابط في مخابرات الاحتلال منزلهم قبل يومين من الزفاف وطلب لقاء أنس، ما أثار مخاوفهم من احتمال اعتقاله، قبل أن ينفي الضابط وجود نية لذلك، لكن المخاوف تحولت إلى واقع مع اقتحام المنزل واعتقال العريس، ثم لم تمض سوى أيام قليلة حتى اعتقلت قوات الاحتلال شقيقه صهيب، ليجد الأب نفسه أن أبنائه الأربعة باتوا جميعاً في السجون.
ضابط المخابرات ذاته طالب الأب بتسليم نجله مصعب، رغم معرفته بأنه معتقل لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية منذ نحو أربع سنوات. ويُصنف الاحتلال مصعب اشتية، وفق رواية العائلة، ضمن قيادات مجموعة "عرين الأسود" التي ظهرت في مدينة نابلس عام 2022، وقد اختطفته عناصر أمنية فلسطينية من أحد أحياء مدينة نابلس، ما آثار حالة من الغضب العارم حينها. ورغم غياب العريس، قررت العائلة حينها عدم الرضوخ وأبقت على بعض مراسم الزفاف في موعدها، مع تقليص مظاهر الاحتفال، خصوصاً أن المناسبة تزامنت كذلك مع أحداث دامية في قرية تل جنوب غرب نابلس.
الاعتقالات بحق الأخوة والأقارب لا تتوقف قصة عائلة اشتية عند اعتقال أنس، إذ يقول والده إن أربعة من أبنائه يقبعون خلف القضبان، وإن تجربة الاعتقال ليست جديدة على أي منهم. فمصعب، وفق إفادة والده، أمضى أربع سنوات في سجون الاحتلال قبل أن تعتقله الأجهزة الأمنية الفلسطينية، حيث يقترب من إكمال عامه الرابع في الاحتجاز وهو يحمل قراراً بالإفراج عنه، لكنه لا يزال محتجزاً، من دون تطور ملموس في قضيته. أما خالد، فقد أمضى نحو أربع سنوات في سجون الاحتلال، وهو معتقل إدارياً منذ أشهر، كما يخوض صهيب تجربة الاعتقال الإداري للمرة الثانية، بعدما سبق أن أمضى سنوات في السجن. وتكشف الأسرة أن آثار الاعتقال امتدت إلى المسار التعليمي لأبنائها؛ إذ اعتُقل صهيب خلال مرحلة الثانوية العامة وحُرم من التقدم للامتحانات، فيما حُرم خالد أيضاً من تقديم الثانوية العامة بصورة طبيعية، وإن تمكن لاحقاً من أدائها من داخل السجن قبل عدة سنوات، أما أنس، فقد حالت سنوات الاعتقال دون إكمال دراسته الجامعية. أخبار ذات صلة "قوى رام الله والبيرة" تدعو للمشاركة في فعاليات الاثنين إسنادا للأسرى في سجون الاحتلال 370 طفلاً أسيراً يعيشون ظروف اعتقال قاسية داخل سجون الاحتلال
ولا تقتصر قائمة المعتقلين على أبناء عاكف وحده، إذ تضم أولاد أعمامهم، عبد الصمد جمال جميل عوض الله المعتقل إدارياً منذ نحو عامين ونصف العام، وأيوب يحيى جميل عوض الله، البالغ 17 عاماً، والمعتقل إدارياً منذ نحو عامين، إضافة إلى أسامة وجميل عوض الله، اللذين اعتُقلا خلال الفترة الأخيرة. يقول أمين اشتية عم الأسرى الثمانية، "إن هذا هو الجيل هو الثالث من أبناء العائلة الذي يقاسي مرارة السجن وقسوة السجان؛ فقد اعتقل والدي -أي الجد- في سبعينيّات القرن الماضي وبداية الانتفاضة الشعبية الأولى عام 1987، وبعد ذلك تعرضت أنا واشقائي -أي والد وأعمام الشبان الثمانية- إلى المطاردة والاعتقال لمرات عديدة وسنوات طويلة؛ وآخرها كانت قبل فترة وجيزة، لذلك نشأ الأبناء على حب الوطن والمقاومة ورفض الذل والخنوع". لكن العم أمين لا ينكر أن غياب هذا العدد من أفراد الأسرة ترك "أثراً وبعداً نفسياً عميقاً"، مؤكداً أن منازلهم باتت مثقلًة بالفراغ، فيما تواصل العائلة انتظار أخبار أبنائها، ولا سيما المعتقلين حديثاً، الذين تقول إنها لا تعرف تفاصيل واضحة عن أماكن احتجازهم وظروف التحقيق معهم. وتحاول الأسرة، وفق أمين، التعامل مع الاعتقال باعتباره واقعاً مفروضاً في ظل الاحتلال، لكنها تؤكّد في الوقت نفسه أن تكرار التجربة ترك آثاراً عميقة على تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم إلى المناسبات العائلية.
نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتخصيص تجربتك ، وتحليل أداء موقعنا ، وتقديم المحتوى ذي الصلة (بما في ذلك الإعلانات). من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط وفقًا لموقعنا سياسة ملفات الارتباط.
التعليقات (0)