عاش شعبنا الفلسطيني على مدار نحو عقدين سنواتٍ ثقيلة من الانقسام السياسي والجغرافي، لم تجلب له سوى النار والرماد، وعذابات الإقصاء والتفرد والهيمنة. ولم تنجُ من آثار هذه الحالة المدمرة مؤسسةٌ وطنية تمثيلية، ولا مؤسسةٌ حكومية أو خدماتية، من الصحة والتعليم وسائر القطاعات التي تمس حياة المواطن الفلسطيني وكرامته وحقوقه الأساسية.
وفي ظل الانقسام، تحّولت مؤسسات ومقدرات عامة إلى ساحات نفوذ تتنازعها قوى وأطراف الانقسام وجماعات المصالح، ونمت داخلها شبكات المستفيدين وتجار الأزمات، الذين وجدوا في معاناة شعبنا وأسواقه المنهكة مجالاً للمرابحة والاتجار بالاحتياجات والأرواح، فيما اتسعت دوائر الفقر والحاجة والبطالة، وأصبح المواطن هو الحلقة الأضعف والأكثر دفعاً لكلفة الانقسام.
ولا يمكن النظر إلى هذه السنوات باعتبارها مجرد خلاف سياسي عابر؛ فقد تحّولت مع الوقت إلى أزمة بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني، أصابت وحدة القرار الوطني، وأضعفت مؤسساتنا، وعمّقت الانقسام المجتمعي، وأنتجت واقعاً من الاستقطاب والثأر السياسي والحسابات الشخصية، على حساب القضية الوطنية ومصالح شعبنا.
لقد كان ما جرى بعد انتخابات عام 2006 نتيجةً لتداخل عوامل داخلية وخارجية، ولم يكن الشعب الفلسطيني مسؤولاً عن الانقسام الذي أعقب خياره الديمقراطي؛ فقد مارس شعبنا حقه الطبيعي في اختيار ممثليه، ثم وجد نفسه أمام مسار سياسي وأمني متدحرج، غذّته التدخلات والاشتراطات الخارجية، وعمّقته حسابات أطراف الانقسام وجماعات المصالح، رغم كل المبادرات الوطنية والحوارات والجهود التي بذلتها قوى وشخصيات وطنية وإسلامية لإنهاء هذه الحالة.
وفي عام 2006، كانت البيئة الفلسطينية، رغم صعوبتها، أقل تعقيداً مما هي عليه اليوم. كانت انتفاضة الأقصى في أوج حضورها، وكان الانسحاب "الإسرائيلي" من قطاع غزة قد جرى تحت ضربات المقاومة، وكانت الحوارات الوطنية قد فتحت آنذاك نافذة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
أما اليوم، فنحن أمام واقع أكثر قسوة وخطورة، تتداخل فيه حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، والإرهاب الاستيطاني المنظم في الضفة، والتهويد المتسارع للقدس، ومخططات الضم والاقتلاع والتهجير، مع أزمةٍ سياسية داخلية عميقة.
التعليقات (0)