عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية.
كل ما جرى منذ 28 فبراير/شباط هذا العام من أحداث وصراعات وحروب وحصارات وأزمات في الخليج ومضيق هرمز يمثل نصف عام من الانكشاف؛ سقوط ورقة توت كانت تغطي حقيقة قديمة: الخليج ليس بمنأى عن النار. مع سقوط معادلة تقوم على افتراضين ضمنيين: نفط يخرج بأمان، وأمن يستورد جاهزا من واشنطن.
الأشهر الستة الماضية لم تكن ممرا نحو استعادة تلك المعادلة، بل مختبرا حيا لإعادة تعريف الخليج لعلاقته بنفسه وبأمريكا وبالعالم، ولاستعادة دور الجغرافيا (الخليجية) التي أسقطها مفكرو العولمة الأمريكيون.
الأوضح في هذه المرحلة ليس حجم الخسائر المادية، بل انهيار النظريات الكبرى ذاتها. فقد استعادت الجغرافيا مكانتها التي ظن حداثيو أمريكا وعلماء الاقتصاد السياسي أنها اندثرت، في ظل خطاب طالما ردد أن الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي قد أفرغا المكان من قوته، وأن "الجغرافيا لم تعد تصنع القوة".
راهن أوبراين في "نهاية الجغرافيا"، وكيرنكروس في "موت المسافة"، وفريدمان في "العالم مسطح"، على أن التكنولوجيا والمال ألغيا المكان، وأن العولمة أذابت الحدود في اقتصاد بلا وزن. لكن هرمز نسف هذه العقيدة: فثلاثة وثلاثون كيلومترا من الماء، في موقع جغرافي محض لا يُنقل ولا يُستبدل، أثبتت قدرتها على تحريك أسواق العالم أجمع.. فالجغرافيا لم تندثر، بل عادت بفظاظة لتفرض نفسها لغة للقوة السياسية والاقتصادية كلتيهما.
وفي الوقت ذاته تضرب أزمة المضيق المسمار الثاني في نعش النظام القطبي الواحد، بعد المسمار الأوكراني الذي ضرب أوروبا: فإذا كانت أوكرانيا قد أثبتت أن القطب الواحد لا يفرض نظامه على الشرق الأوروبي، فإن هرمز قد يثبت أن هذا النظام عاجز حتى عن ضمان أمن أهم ممرات الطاقة في العالم. سقوط "نهاية الجغرافيا" لم يكن هزيمة نظرية، بل إيذانا بأن العالم ليس مسطحا ولا أحادي القطب، بل عاد منحنيا، متعدد الأقطاب، ومحكوما بجغرافيا لا تلغى.
التعليقات (0)