f 𝕏 W
ناصر أبو سرور، الذي لم يتجرّأ عليه السجنُ..مصارحات، كأنها أسفارٌ مُقدّسة!

راية اف ام

رياضة منذ ساعة 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

ناصر أبو سرور، الذي لم يتجرّأ عليه السجنُ..مصارحات، كأنها أسفارٌ مُقدّسة!

*** لعلّ عنوان كتاب على سرير الكتابة للأسير المُحرّر المبدع ناصر أبو سرور، هو أُكرة باب المؤلَّف، واسمه الذي يعبّر عنه، بالفعل، باعتباره نَصّاً مُسانداً، وقد أحالني مباشرةً إلى علم النَّفس الإكلنيكيّ (السريريّ)، المُتعالق ب سرير الكتابة،ما جعلني أعتقد أنّ الكاتب هو نفسه الطبيب المُستمع المُعالِج، وهو المتحدّث، المُعتَرِف بمصارحاته المتوالية، والذي يريد أن ينفث الزجاج المطحون الذي يُدمي صدره. فالعنوان لا يكون اعتباطيّا، بقدر ما يتمّ انتقاء مفرداته بعناية ووعي. وجاءت الجلسات تدفّقا واعيا عارفا...

ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يتناول المقال كتاب "على سرير الكتابة" للأسير المحرر ناصر أبو سرور، واصفاً إياه بنص مقدس يتجاوز حدود الزنزانة. يرى الكاتب أن الكتابة تمثل هوية السجين وقدرته على الصمود، وأنها بمثابة قارب نجاة وحرية. يتميز الكتاب بلغة قوية وشاعرية، وطرح أسئلة عميقة تشرك القارئ في التأمل، ويتناول موضوعات استثنائية نابعة من تجربة السجن.
أبرز النقاط

لعلّ عنوان كتاب "على سرير الكتابة" للأسير المُحرّر المبدع ناصر أبو سرور، هو أُكرة باب المؤلَّف، واسمه الذي يعبّر عنه، بالفعل، باعتباره نَصّاً مُسانداً، وقد أحالني مباشرةً إلى علم النَّفس الإكلنيكيّ (السريريّ)، المُتعالق ب "سرير الكتابة"،ما جعلني أعتقد أنّ الكاتب هو نفسه الطبيب المُستمع المُعالِج، وهو المتحدّث، المُعتَرِف بمصارحاته المتوالية، والذي يريد أن ينفث الزجاج المطحون الذي يُدمي صدره. فالعنوان لا يكون اعتباطيّا، بقدر ما يتمّ انتقاء مفرداته بعناية ووعي. وجاءت "الجلسات" تدفّقا واعيا عارفا وذا حمولة قادرة على إيصال المعنى بجدارة فائقة ومدهشة. وسنكون أمام مشهديّة ستفرض ذاتها، بكلّ مجاميعها، لعُمقها وفرادتها وحمولتها وجسارتها..ولأنّ الكتابة تمّت في زَمكانٍ رجراج، غير مألوف، واستثنائيّ، هو الزنزانة.. وقد يكتب السجين لغير سبب، أهمها؛ أنّ الكتابة تأتي من جوف الجحيم الاعتقاليّ، ومن أشيائه القليلة والمتقشّفة، ومن صمته ورعبه وأسراره..

ويبدأ كتاب مبدعنا بفاتحة "إقرأ"! كأنه يقول؛ إنّكم أمام "نصّ مقدّس"، يُرجعنا إلى أوّل ما نطق به الوحي..كيف لا وهو الآتي من حمأة المعتقل التطهّريّ، الذي لا يخالطه رجْسٌ أو رَيْب. وبهذا؛ فهو نصّ مُطلق نهائي، لا يمسّه إلا مَن بلغ الكشْف والأعالي. ثمّ يدخل إلى فصل "اكتُب"، ليجيب عن سؤاله "لماذا لا تكتب"؟ وليردّ بفيضٍ أخّاذٍ، هو مُرافعة وسيعة يانعة مثقّفة، يكثّف فيها دوافع الكتابة.

فما الذي تفعله الكتابةُ فينا، في السجن؟ أعتقد أنها أشبه بالهويه أو بالتعريف، وهي أشبه بالمميز والمحدّد للمبدع المعتقل. الكتابة تردّ على قسوة العالَم وفظاظته وفانتازيّته، وهي توازن واعتدال وواسطة. فالسجين يصمد بالكاتب الذي بداخله. وكأن النصّ تعويذة السحر أو طوطم الحكاية. وأعتقد أنّ الكتابة، بمفهومها الواسع، هي ما ينقذ السجين. والحرية صنو الكتابة، وهي الأقوى.

وهنا أتوقّف لأؤكّد أننا أمام لغة كتابٍ سماويّة متينة، زاخرة، ومسبوكة، كأنها، بالفعل، أسفار مقدّسة! وثمّة ثقافة وحمولة معرفية أعلَت الكلام إلى حدّ الدّهشة. وأبو سرور، على ما قرّره، يسأل أكثر مما يجيب، بمعنى أنّ السؤال هو جواب، كما أنه دعوة للتفكير، ولإشْراك القارئ ليواصل مع الكاتب النسج والفهم والمخيال..والأكثر أهمية؛ أن هذا الكتاب تناول موضوعات غير مطروقة، استثنائية، بسبب السجن، ربّما، باعتباره مكانا مُغلقا، سيحاول أن يتجاوز حدوده الخانقة وحيّزه الضيّق، نحو فضاءات لا تُحَدّ! وعلى رغم أن سؤال "لماذا نكتب" يبدو مبذولا، لكنّ الكاتب، يطرحه من جديد، بصيغ تتراءى بالجدّة والطزاجة، لأنّ الكتابة، هنا، قارب نجاة، وتشابك أسئلة، والتباسات للزمن المقيّد، مثلما أنها قوّة الحياة، التي عليها أن تفيض لتدلّ على نفسها وحضورها وقدرتها. كما أنّ لغة الكاتب حساسة جداً، وأنيقة، وقد تماهت فيها الأصالة بالمعاصرة، بمُعجزة أسلوبيّة مُبهجةٍ ومتمكّنة..كأن الكلام يتفلّت ليصعد إلى قمّة الشِعر.

وأعتقد أن الكاتب قد كشف للقارئ ما لم يره، في العاديّ والمألوف. عداك عن أن الكاتب المُعافى قد انتصر، لسبب حاسم وجليّ، وهو؛ أنه استطاع فعل الكتابة، بهذا الألق والإدراك، ولم يستطع السجنُ قتْله أو دفن روحه المتوثّبة. والكاتب يعي، تماما، دوافعه النفسيّة، على رأي فرويد، وما تجترحه الكتابة من اشتعالات..بعلوٍّ، كأنه على موعد غراميّ مع اللغة. ويلفتني ذلك النَّفَس الطويل القادر على المحافظة على شياكة الكلام وعمقه وجزالته وفخامته وامتلائه! مثلما استطاع خياله من أن يحطّم الجدران، كلّياً، ويحلّق في آفاق، خلقها وابتدع صورها، وسوّاها وجعلها فراديسه الضافية البهيّة..لقد انتصر السجين، وها هو يدفّ حرّا في الفضاءات! فضلا عن أنّ خياله ثرّ ومليء بالروائح والطعوم والألوان والأماكن والغابات..وموشى بالمواسم الباذخة!

ونواصل القراءة ليطالعنا نصّ شِعريّ، كأنه إنجيل بابليّ، بلغته ودلالات صوره، وإيحاءات مفرداته، وبعناصره الجَمالية السامقة. وكأني بالكاتب يمنحنا استراحة شِعرية رهيفة، لنواصل معه الغوص في أعماق الكتاب وما وراء الصفحات. ثمّ يدخل في طقوس الكتابة كأنه يهيّئ الحاضنة التي ستكون رَحم نصّه، وإن أجمل ما لديه أنه يوظّف معرفته وقراءاته المتنوّعة الغنيّة المتعددة، بقدرة ساحرة فائقة، لتصبح سبيكة ذَهبية من اجتراحه، بعد أن يذيب ما قرأه واستقرّ في وجدانه، وهو يسيطر على الفكرة التي يستخدمها ويشهق بها. وأرى أنه لولا تأمّل الكاتب العميق ونفاذ بصيرته، لما جاء نصّه بهذا الغنى، وبتلك التفاصيل الضرورية والنمنمات المُتقَنة، وبتلك الشاعريّة الأكيدة.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)