ثمة كُتّاب يروون حياتهم، وكُتّاب يكتبون تاريخ عصرهم، وقلّة نادرة تفعل الأمرين معاً ثم تمضي أبعد، فتجعل من الذاكرة مختبراً للإنسان ومن الجسد وثيقة للتاريخ.
في هذه المنطقة الفريدة عاش وكتب المجري بيتر ناداس، أحد أكثر الأصوات الأدبية فرادة في أوروبا المعاصرة، مسلحاً بحساسية المصور ودقة الصحفي ونَفَس الروائي الذي لا يخشى التوغل في أكثر المناطق التباساً من النفس البشرية.
كان ناداس يعود إلى الماضي كما يعود المصور إلى صورة قديمة، يحدق فيها طويلاً حتى تبدأ التفاصيل الصامتة بالكلام، ثم يعيد ترتيبها داخل سرد واسع تتجاور فيه الذاكرة والحب والرغبة والموت والديكتاتورية والهزيمة. وفي الأمس القريب (الأربعاء 26 أغسطس/آب)، غادر بيتر ناداس عالمنا عن 83 عاماً، تاركاً وراءه أدباً يصعب وضعه في خانة واحدة، وذاكرةً أدبية ستظل مفتوحة على أسئلة الإنسان والتاريخ، وقراءةً للعالم لا تنتهي بانتهاء كتبه.
ولد بيتر ناداس في بودابست في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1942، داخل عائلة يهودية ذات ارتباط بالحركة الشيوعية، في زمن كانت أوروبا فيه تتحول إلى مسرح واسع للحرب والاضطهاد. عاش والداه في السر خلال المحرقة، وسُجل اسمه عند الولادة بصورة خاطئة، ثم فقد أمه بسبب السرطان عام 1953، وانتحر والده عام 1958، ليجد نفسه في السادسة عشرة من عمره يواجه فقداً مبكراً ترك بصمته العميقة في تكوينه الشخصي والأدبي.
وفي كتابه "ما يضيء في الظلام"، الذي استعاد فيه سنوات طفولته والأسرة والمجتمع المجري، عاد إلى هذه الطبقات الأولى من حياته بحثاً عن الطريقة التي تتسلل بها التجربة التاريخية إلى الوعي الفردي.
في سن التاسعة عشرة، بدأ ناداس دراسة الصحافة والتصوير، وعمل لاحقاً صحفياً ومحرراً ومصوراً، وهي خبرات ستترك أثراً واضحاً في كتاباته؛ فالعين التي تعلمت التقاط التفاصيل في الصورة ظلت حاضرة في الرواية، حيث تتحول حركة صغيرة أو ملمح عابر إلى مفتاح لذكرى بعيدة.
التعليقات (0)