في الوقت الذي تمر فيه القضية الفلسطينية بأسوأ مراحلها، وتخلّى عنها العرب والعجم، إلا من باب فرض الوصاية بذريعة الإصلاح، يكاد العالم، بمختلف دوله، يصوّر نفسه بوصفه حامياً للديمقراطية ومساهماً في ارتقاء البشرية، فيما تبدو فلسطين وكأنها وحدها أسيرة «الحكم الديكتاتوري» و«الفساد»، وقد غابت دول كثيرة عن مشهد الإبادة الجماعية، وغيّبت معها مبادئ حقوق الإنسان، ولم تقدّم سوى بيانات التعبير عن القلق والإدانة اللفظية، واليوم، لا يكاد أحد يتحدث عن القضية الفلسطينية إلا عبر بوابتي الانتخابات والإصلاح.
ندرك أنه في الأزمات وأوقات الشدة يظهر الصديق الوفي والحقيقي؛ ذلك الذي يؤمن بالمبادئ ويدافع عن قيم البشرية والمصير المشترك، وهذا ما نراه في بكين، حيث أكد الرئيس الصيني، خلال لقائه بالعاهل الأردني، أن القضية الفلسطينية «تمثل جوهر قضايا الشرق الأوسط»، وكأنه يعيد تذكير العالم بها، وبأن بلاده ما زالت ترى فيها حجر الزاوية في سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وفي الصين قول مأثور: «السفر ميزان الخيل، والوقت ميزان الصداقة»، ولذلك سيظل الشعب الصيني صديقاً حميماً وحقيقياً للشعب الفلسطيني.
وفي السنوات الأخيرة، رسّخ الرئيس الصيني شي جين بينغ موقف بلاده الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، عبر سلسلة من المبادرات والرؤى والمقالات والتصريحات الرسمية، واليوم، يطرح الرئيس شي جين بينغ التمسك بأربعة مبادئ للدفع نحو حل القضية الفلسطينية، وهي بمثابة خارطة طريق دولية، تتمثل في التمسك بالحل السياسي، ودفع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى استئناف مفاوضات السلام وفق مبدأ «حل الدولتين» باعتباره المسار الإجباري، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في أقرب وقت ممكن.
وفي الوقت الذي تنسف فيه دولة الاحتلال حل الدولتين عبر إجراءاتها المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني، يذكّرنا الرئيس شي جين بينغ بإمكانية وقف المسار الإسرائيلي الأحادي الجانب من خلال الضغط الدولي، وكأنه يمنح الشعب الفلسطيني أملاً بأن دولته المستقلة ستقوم، وهذا الطرح يزعج الجانبين الأميركي والإسرائيلي، اللذين يحاولان طمس القضية الفلسطينية ووضع العراقيل أمام قيام الدولة الفلسطينية.
أما المبدأ الثاني، فهو التمسك بمبدأ «حكم فلسطين من قبل الفلسطينيين»، ففلسطين دار لجميع الفلسطينيين، وينبغي اتباع هذا المبدأ للدفع نحو إدارة الضفة الغربية وإعادة إعمار قطاع غزة بعد الحرب، ويعبّر ذلك عن موقف واضح وصريح تجاه عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما تنطلق منه السياسة الخارجية الصينية، ويأتي ذلك في الوقت الذي تحاول فيه قوى إقليمية ودولية فرض الوصاية، أو فرضتها بالفعل على قطاع غزة، عبر مندوب سامٍ جديد، إلا أن جمهورية الصين الشعبية ترسّخ مبدأ أن حكم فلسطين يجب أن يكون عبر الفلسطينيين، وأن إعادة إعمار غزة ينبغي أن تتم بقرار فلسطيني.
والمبدأ الثالث يقوم على ضرورة التمسك بالإنسانية؛ إذ يجب على المجتمع الدولي، وخاصة مجلس الأمن الدولي، أن يضطلع بمسؤولياته من خلال خطوات ملموسة لحماية المدنيين، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، ومنع الكوارث الإنسانية، وفي الوقت الذي ذرف فيه البعض الدموع على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم عادوا إلى أصولهم الاستعمارية، باتوا يرون في دولة الاحتلال جزءاً من منظومتهم الأخلاقية، في عودة إلى فكر «السيّد الأبيض»، حيث لا تزال بقايا الاستعمار تتغلغل في تفكيرهم، أما أصحاب الحضارة والتقدم، فيرون الأمر على نحو مختلف؛ فالإنسانية، كما تراها الصين، حزمة متكاملة ينبغي الدفاع عنها والتمسك بها، وبذلك، يرى الرئيس الصيني أن مجلس الأمن بات عاجزاً عن اتخاذ الخطوات اللازمة للقيام بمسؤولياته، وأصبح رهينة لبعض القوى، وهو ما يؤكد أن النظام الدولي بحاجة إلى إصلاح منظومته.
التعليقات (0)