كاتب وباحث مالي في الشؤون الأفريقية.
عندما يُذكر الساحل الأفريقي اليوم، غالبا ما تتجه الأنظار مباشرة إلى الجماعات المسلحة، والانقلابات العسكرية، وصراع النفوذ بين القوى الدولية. وهذه القضايا حاضرة بلا شك، لكنها لا تقدم الصورة كاملة عن المنطقة.
فالساحل ليس مجرد مساحة للأزمات الأمنية أو ساحة تنافس بين القوى الخارجية، بل هو قبل كل شيء مجتمعات بشرية لها تاريخها وخصوصيتها ونخبها التي ساهمت في تشكيل وعيها الثقافي والاجتماعي. ومن هنا فإن فهم المنطقة لا يمكن أن يقتصر على ما يحدث داخل القصور الرئاسية أو في ميادين القتال، بل يجب أن يمتد إلى الإنسان نفسه، وإلى القوى الاجتماعية التي تمتلك تأثيرا حقيقيا داخل هذه المجتمعات.
فالمنافسة على الساحل لم تعد تدور فقط حول القواعد العسكرية والاتفاقيات السياسية، بل أصبحت أيضا معركة حول القدرة على بناء الثقة والتأثير في العقول، وتكوين علاقات طويلة المدى مع الشعوب.
وهذا ما يفسر أهمية مفهوم "القوة الناعمة" الذي طرحه عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، والذي يقوم على أن النفوذ لا يُبنى دائما عبر القوة العسكرية أو الإمكانات الاقتصادية، بل من خلال القدرة على جذب الآخرين والتأثير فيهم عبر الثقافة والقيم والإعلام والعلاقات الإنسانية.
وعند النظر إلى الساحل الأفريقي من هذه الزاوية، تظهر مفارقة واضحة: فهناك قوة ناعمة موجودة بالفعل داخل هذه المجتمعات، لكنها بقيت لسنوات طويلة خارج حسابات معظم العواصم العربية. إنها قوة لم تُصنع من الخارج، بل تشكلت عبر تاريخ طويل من التفاعل بين المنطقة والعالم العربي والإسلامي، وظهرت في صورة علماء وكتّاب وباحثين وشخصيات اجتماعية حافظت على حضورها وثقة مجتمعاتها بها.
التعليقات (0)