التسلسل لا يحتاج إلى كثير من الشرح. يوم الاثنين، الرابع والعشرين من آب/أغسطس 2026، زار ممثلو ثمانٍ وعشرين بعثة دبلوماسية معتمدة لدى دولة فلسطين مركز تدريب قلنديا التابع للأونروا، واستمعوا إلى التحذيرات، ورأوا بأعينهم مؤسسة تواجه تهديداً وشيكاً. وفي صباح اليوم التالي، دخلت القوات الإسرائيلية مجمّع الأمم المتحدة، وأخلت موظفيه بالقوة، واحتجزت نحو أربعين من الحاضرين وحققت معهم ثم أمرتهم بالمغادرة وعدم العودة، وسيطرت على الموقع، ورفعت العلم الإسرائيلي في ساحته. وأُصيب خمسة فلسطينيين بالرصاص الحي في محيط المكان، كما أُصيب صحفيون كانوا يغطون العملية.
وشارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في الاقتحام. أعلن من الموقع أن السلطات بدأت عملية إخلاء المبنى، وقال إنه لا مكان للوكالة في القدس وإسرائيل. ثم نشر على الإنترنت أن الأونروا باتت في قبضة إسرائيل، وعمّم مقطعاً مصوّراً لنفسه جالساً على كرسي مدير المركز.
ولم يترك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أي التباس بشأن مصدر الأمر؛ فقد أعلن أنه أمر بتفكيك المركز استناداً إلى قانون عام 2024 الذي يحظر عمل الأونروا، وأن إسرائيل ستتحرك ضد الوكالة بكل الوسائل المتاحة لها.
لا يمكن تفسير التوقيت بأنه محض مصادفة، ولا يمكن التعامل مع ما جرى بوصفه نزاعاً إدارياً أو عقارياً معزولاً. إنه يُقرأ كرسالة سياسية محسوبة إلى الأمم المتحدة، وإلى البعثات الدبلوماسية، وإلى الشعب الفلسطيني في آن واحد: لكم أن تزوروا وتراقبوا وتعترضوا وتصدروا البيانات، وستمضي إسرائيل في فرض وقائع لا رجعة فيها على الأرض.
ولا بد من الكلام بصراحة. لم يكشف الاستيلاء على مركز تدريب قلنديا إصرار الحكومة الإسرائيلية على تفكيك حضور الأونروا فحسب، بل كشف أيضاً وهن الدبلوماسية الدولية، وقصور الاستجابة الفلسطينية، والخطر المتنامي في أن يتحول الانخراط الدبلوماسي إلى تمرين في توثيق الانتهاكات بدلاً من منعها.
لم يعد كافياً القول إن هذه الأفعال تنتهك القانون الدولي. إسرائيل تعرف ذلك. والأمم المتحدة تعرفه. والحكومات التي زار ممثلوها قلنديا تعرفه. المشكلة المركزية لم تعد نقصاً في المعلومات أو التوثيق أو الرأي القانوني، بل غياب أي كلفة حقيقية.
التعليقات (0)