الخميس 27 أغسطس 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس
ليس أخطر على القضية الفلسطينية من أن تتحول المقاومة من استراتيجية وطنية للتحرر إلى أداة لتصفية الحسابات الفصائلية، أو أن تتحول الدعوة إلى العمل المقاوم إلى رغبة في الانتقام من الخصم الفلسطيني، دون حساب دقيق لموازين القوى والنتائج والتداعيات.ما يُنسب إلى سمير المشهراوي، الرجل الثاني في تيار الإصلاح الديمقراطي الذي يتزعمه محمد دحلان، من دعوة إلى تكرار نموذج السابع من أكتوبر في الضفة الغربية، إن صحّ نصه كما ورد في المقابلة التلفزيونية الأخيرة، يثير سؤالًا يتجاوز شخص المشهراوي وتيار دحلان وحركة حماس: هل أصبحت المقاومة وسيلة لإدارة الخصومة الفلسطينية الداخلية، أم أنها ما زالت جزءًا من استراتيجية وطنية للتحرر؟فالمقاومة ضد الاحتلال حق مشروع للشعب الفلسطيني، لكنها ليست مجرد فعل غضب أو قرار لحظي. إنها فعل وطني له أهدافه، ومرجعياته، وحساباته، ووسائله، وتوقيته. ومن هنا تأتي أهمية أن تكون منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الإطار الوطني الجامع وممثل الشعب الفلسطيني، مرجعية القرار السياسي والاستراتيجي الفلسطيني.أما أن يدعو هذا الفصيل أو ذاك إلى فتح جبهة جديدة، أو أن يتمنى طرف فلسطيني أن يدخل طرف آخر في مواجهة واسعة، وكأن الأمر مباراة لتسجيل النقاط، فذلك لا يمت إلى المسؤولية الوطنية بصلة.والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصراحة: من المستفيد من تحويل الضفة الغربية إلى حرب مفتوحة الآن؟الجواب ليس بحاجة إلى كثير من العناء. فنتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة يبحثان منذ زمن عن المبررات لتوسيع العمليات في الضفة، وتكريس الاستيطان، والضم الفعلي، والتهجير، وتحويل مدن ومخيمات الضفة إلى ساحات عسكرية مفتوحة.ولهذا فإن نقل نموذج غزة إلى الضفة، من دون رؤية وطنية شاملة، قد يتحول إلى فخ استراتيجي يدفع الفلسطينيون ثمنه، بينما يجد الاحتلال في التصعيد ذريعة جاهزة لتكرار ما فعله في غزة، وإن بأشكال تتناسب مع طبيعة الضفة.ولا يعني ذلك الدعوة إلى الاستسلام أو التخلي عن المقاومة. على العكس؛ المطلوب هو تحرير المقاومة من الفصائلية، ووضعها في إطار مشروع وطني جامع، بحيث تخدم هدف التحرر ولا تتحول إلى وقود لحرب داخلية فلسطينية غير معلنة.كما أن رفض المقامرة بالضفة لا يعني إعفاء الاحتلال من مسؤوليته. فالاحتلال والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات والقتل والتهجير هي أصل المأساة، ومواجهتها حق وواجب. لكن الحق في المقاومة لا يلغي واجب العقل السياسي؛ بل يجعله أكثر إلحاحًا.ومن المؤسف أن تصل الخصومات الفلسطينية إلى مرحلة يتمنى فيها طرف أن يفتح طرف آخر معركة يعرف الجميع أن الاحتلال هو الأقدر على تحديد حجمها ومكانها، وأن الشعب الفلسطيني هو الذي سيدفع كلفتها.هذه ليست مقاومة وطنية؛ هذه، إن صحت النوايا، مقامرة بمصير شعب.لقد علمتنا التجربة أن الاحتلال لا يحتاج إلى كثير من الذرائع كي يبطش، لكنه يستثمر كل ذريعة لتوسيع بطشه. ولذلك فإن من يطالب بتكرار تجربة غزة في الضفة عليه أن يجيب أولًا: ماذا بعد اليوم الأول؟ ومن يحمي الناس؟ ومن يتحمل مسؤولية المدن والمخيمات والقرى؟ وكيف نمنع الاحتلال من تحويل المواجهة إلى عملية تدمير وتهجير واسعة؟ وما هي الخطة السياسية التي ستأتي بعد ذلك؟هذه الأسئلة ليست جبنًا، وليست تخليًا عن المقاومة؛ إنها جوهر المسؤولية الوطنية.لقد آن الأوان أن نتوقف عن التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ساحة مفتوحة لصراعات فتح وحماس ودحلان وسواهم. فلسطين أكبر من الجميع، ودماء الفلسطينيين ليست مادة للمزايدات، والضفة ليست صندوق بريد لتبادل الرسائل بين الخصوم.نحتاج إلى مقاومة تُجمع عليها القوى الوطنية، وقرار سياسي موحد، واستراتيجية واضحة، ومرجعية وطنية واحدة، ومشروع يربط المقاومة بالهدف السياسي: إنهاء الاحتلال، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وصون حقوق الشعب الفلسطيني، لا تحقيق انتصار فصيل على فصيل.أما نتنياهو، فهو لا يحتاج إلى من يحبه أو يؤيده؛ يكفيه أن يجد من يمنحه الذريعة.ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نقدم له في الضفة المشهد الذي ينتظره.فالضفة ليست غزة، ولن تكون ساحة لتكرار الكارثة. والمقاومة ليست انتقامًا، والوطن ليس حلبة صراع فصائلي.حين تكون فلسطين هي البوصلة، يصبح السؤال: كيف نقاوم؟وحين تصبح الخصومة هي البوصلة، يتحول السؤال إلى: كيف نؤذي خصمنا؟وبين السؤالين يتحدد الفرق كله بين المقاومة الوطنية والمقامرة بمصير الوطن.
حين تتحول الضفة إلى فخ ...!
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)