الخميس 27 أغسطس 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس
إذا جرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية في موعدها المقرر في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، فإنها ستكون مختلفة في ظروفها وحساباتها ومزاج ناخبيها عن انتخابات عام 2006. فالفلسطينيون يتجهون إليها بعد حرب مدمرة على قطاع غزة، ونحو عقدين من الانقسام وتعطل الحياة الديمقراطية، وفي ظل أزمة ثقة عميقة بالمؤسسات والقيادات السياسية.ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من سيفوز، فتح أم حماس؟ بل: بأي وجوه وبرامج وتحالفات ستخوض القوى الفلسطينية الانتخابات؟ وأي مشروع يستطيع إقناع الناس بأنه الأقدر على إخراجهم من آثار الحرب والانقسام؟تكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن تقارب واضح بين فتح وحماس، مع وجود كتلة كبيرة لم تحسم موقفها، فضلًا عن قطاع واسع لا يرى في أي منهما الخيار الأمثل لقيادة المرحلة القادمة. وهذا يعني أن الانتخابات قد لا تكون مواجهة ثنائية كما حدث عام 2006، وإنما انتخابات تحالفات يمكن أن تلعب فيها القوى الثالثة والمستقلون دورًا حاسمًا.لا تحتاج المرحلة القادمة إلى قوائم حزبية مغلقة، ولا إلى تكنوقراط بعيدين عن السياسة والمجتمع، وإنما إلى صيغة تجمع بين السياسي والمهني والوطني والمجتمعي. المطلوب شخصيات تتمتع بنظافة اليد والسمعة الحسنة والكفاءة والخبرة، ولديها قبول يتجاوز حدود التنظيم، مع إعطاء مساحة حقيقية للشباب والنساء والأكاديميين والنقابيين ورجال الأعمال والشخصيات المجتمعية، إلى جانب سياسيين يمتلكون القدرة على الحوار والعمل المشترك.وفي غزة تحديدًا، ستصبح الخبرة في الإعمار والاقتصاد والصحة والتعليم والإدارة والحكم المحلي ذات قيمة كبيرة. فالناخب الذي فقد بيته أو عمله يريد أن يعرف من سيعيد بناء مدرسته ومستشفاه، ويوفر له الأمن وفرصة العمل والحياة الكريمة. لذلك ينبغي أن يتحول معيار الاختيار من سؤال: من الأكثر ولاءً للتنظيم؟ إلى من هو الأكثر قدرة على خدمة الناس والوطن؟سيناريوهات التحالف: يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لخريطة التحالفات القادمة.السيناريو الأول: فتح بكل تياراتها في قائمة واحدة. فإذا نجحت المصالحة بين فتح الرسمية والتيار الإصلاحي، واستطاعت الحركة استيعاب أوسع مساحة من التنوع الفتحاوي، فإنها ستكون أمام فرصة قوية لإعادة تجميع قاعدتها التي تفرقت بفعل الخلافات. لكن النجاح لن يتحقق بمجرد جمع الأسماء، بل بتقديم فتح متجددة في وجوهها وخطابها وبرنامجها، وقادرة على تقديم إجابات مقنعة حول الإصلاح والفساد وتجديد القيادة.السيناريو الثاني: حماس والتيار الإصلاحي وقوى أخرى في قائمة وطنية. مثل هذا التحالف يمكن أن يشكل منافسًا قويًا، وخاصة في قطاع غزة، لكنه يحتاج إلى برنامج سياسي جامع، وإلى إقناع الجمهور بأنه ليس مجرد تحالف انتخابي ضد فتح أو السلطة، وإنما مشروع شراكة وطنية لمرحلة جديدة. كما يحتاج التيار الإصلاحي إلى الموازنة بين متطلبات التحالف والمحافظة على خصوصيته وقاعدته التي ترى فيه خيارًا ثالثًا بعيدًا عن الاستقطاب التقليدي.السيناريو الثالث: حماس والفصائل الإسلامية والوطنية، بما فيها الجهاد الإسلامي والجبهتان الشعبية والديمقراطية، إلى جانب مستقلين وكفاءات. ونجاح مثل هذه القائمة يتوقف على قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها ائتلافًا وطنيًا للإصلاح والتحرر وإعادة البناء، وليس مجرد تجمع أيديولوجي أو فصائلي. وسيكون وجود المستقلين والتكنوقراط والشباب والنساء في مواقع متقدمة ضرورة لإعطائها بعدًا وطنيًا أوسع.السيناريو الرابع: ثلاث كتل رئيسية؛ فتح الرسمية في قائمة، وحماس وحلفاؤها في قائمة ثانية، والتيار الإصلاحي مع مستقلين وقوى وسطية ووطنية في قائمة ثالثة. وقد يجعل هذا السيناريو القائمة الثالثة بيضة القبان في المجلس التشريعي، بحيث يصبح تشكيل الأغلبية والحكومة مرهونًا بالتفاهم والشراكة بين أكثر من طرف.أولويات الفلسطيني اليوم تبدو واضحة: إنهاء الانقسام، وتثبيت وقف الحرب والاعتداءات، وإعادة إعمار غزة، وتحسين الوضع الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، ومواجهة الفساد، وإصلاح مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، وحماية الحريات واستقلال القضاء، واستعادة وحدة المؤسسات بين غزة والضفة.ومن هنا، ينبغي أن تكون الشعارات الانتخابية أقل أيديولوجية وأكثر اتصالًا بحياة الناس. ويمكن أن تتقدمها عناوين مثل: «الشراكة أولًا.. والوطن فوق الجميع»، أو «معًا للوحدة والإعمار والإصلاح»، أو «وطن واحد.. شراكة في القرار والمستقبل».لكن الناس لن تكتفي بالشعارات. المطلوب تعهدات محددة: لا عودة إلى الانقسام، ولا احتكار للسلطة، ولا إقصاء للفائز أو الخاسر، ولا تمييز في الوظيفة العامة على أساس الانتماء السياسي، مع الالتزام بحكومة كفاءات وطنية ذات قاعدة سياسية واسعة، تتولى الإعمار وتوحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير.من يملك الفرصة الأكبر؟من المبكر الجزم بفوز طرف بعينه. فتح تملك قاعدة تنظيمية واسعة وحضورًا مؤسساتيًا، لكنها تحمل عبء تجربة السلطة وأزمة الثقة بالقيادة. وحماس ما تزال قوة جماهيرية وتنظيمية كبيرة، لكنها تواجه أسئلة صعبة حول تجربة الحكم ونتائج الحرب ومستقبل غزة. أما التيار الإصلاحي فيملك حضورًا مؤثرًا، وخاصة في القطاع، ويمكن أن يصبح عامل ترجيح أساسيًا؛ سواء عاد إلى فتح، أو تحالف مع حماس وقوى أخرى، أو قاد قائمة ثالثة.أما القوى الوطنية واليسارية والمستقلون، فإن فرصتهم الحقيقية تكمن في الخروج من هامش المنافسة إلى قلبها عبر تحالفات أوسع وبرامج أكثر اتصالًا بأولويات الناس. وقد تكون الكتلة الأهم في هذه الانتخابات هي تلك التي لم تحسم موقفها بعد؛ فهي التي ستبحث عن الوجوه الجديدة والبرنامج الأكثر واقعية وقدرة على الإنجاز، وقد تكون أصواتها هي التي ترجح كفة هذا التحالف أو ذاك.إن الانتخابات القادمة، إذا جرت بحرية ونزاهة وبمشاركة الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس، يمكن أن تتحول من مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي إلى فرصة تاريخية لاستعادة الشرعية، وتجديد النخب، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.فالمعركة الحقيقية ليست حول أي فصيل ينتصر، وإنما حول من يستطيع أن يقدم للفلسطينيين طريقًا للخروج من الحرب والانقسام إلى الوحدة والإعمار والإصلاح والشراكة الوطنية.فالمرحلة القادمة لا تحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى وطن يكون الجميع شركاء في إنقاذه وإعادة بنائه.===========================أولويات الفلسطيني اليوم تبدو واضحة: إنهاء الانقسام، وتثبيت وقف الحرب والاعتداءات، وإعادة إعمار غزة، وتحسين الوضع الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، ومواجهة الفساد، وإصلاح مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، وحماية الحريات واستقلال القضاء، واستعادة وحدة المؤسسات بين غزة والضفة.
الانتخابات الفلسطينية القادمة.. تحالفات الضرورة ورهانات اليوم التالي
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)