قبل سنوات قليلة، كانت الدهون تبدو في نظر كثيرين العدو الأول للصحة والرشاقة؛ تحذف من قوائم الطعام وتحمل مسؤولية زيادة الوزن وارتفاع الكوليسترول. ثم جاء الكيتو ليقلب المعادلة رأسا على عقب، ويعيد للدهون مكانتها، بل جعلها أساس نظام غذائي كامل.
بعد الكيتو تصدر الصيام المتقطع قوائم البحث قبل أن تنتشر الحميات النباتية باعتبارها طريقا يجمع بين الصحة والاعتبارات الأخلاقية. أما اليوم فيتزايد الحديث عن حمية الكارنيفور، التي تعتمد على اللحوم والمنتجات الحيوانية وتستبعد الأطعمة النباتية.
بين كل موجة وأخرى، يبدو الأمر وكأن "الحقيقة الغذائية" تتبدل جذريا كل سنة أو سنتين. يظهر بطل جديد يعد بالصحة والطاقة وفقدان الوزن، فيما يتراجع البطل السابق إلى الظل، أو يتحول فجأة إلى متهم. فهل يعني ظهور نظام غذائي جديد أن ما سبقه كان خاطئا من الأساس؟ أم أن المسألة تتعلق بطريقة تعاملنا نحن مع المعلومة، أكثر مما تتعلق بالغذاء نفسه؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن العلم نفسه هو الذي يتقلب، وأن كل حمية جديدة تأتي لتنسف ما قبلها بالدليل والبرهان. لكن الحقيقة أدق من ذلك بكثير. فالأبحاث العلمية لا تصل عادة إلى أحكام نهائية بين ليلة وضحاها، بل تتراكم نتائجها ببطء، وتبنى الاستنتاجات على مدى سنوات، وغالبا ما تأتي مشروطة بتحفظات وحدود تجعل من الصعب اختزالها في عنوان واحد.
المشكلة ليست في أن العلم يغير رأيه كلما ظهرت حمية جديدة، وإنما في الطريق الذي تقطعه المعلومة قبل أن تصل إلى الجمهور. فبين البحث العلمي وشاشة الهاتف، تمر النتائج غالبا بعملية تبسيط شديدة، وأحيانا ينتقى جزء واحد من دراسة كبيرة لأنه يخدم رسالة معينة، ثم يعاد تقديمه في صيغة حاسمة وجذابة بعيدة عن التحفظ العلمي الذي بدأت منه.
وهكذا قد تتحول نتيجة تقول إن "هناك ارتباطا محتملا" إلى عنوان يقول إن "هذا الطعام يحميك"، وقد تصبح دراسة صغيرة أو أولية دليلا قاطعا على نجاح حمية كاملة.
التعليقات (0)