واحدة من المشاهد التي لاحظتها في الآونة الأخيرة، أن الوصول إلى إنتاج كتاب أصبح مَهمة سهلة في متناول الجميع، وأبواب النشر التي كانت خطوة لا تخلُ من الرهبة، أصبحت مفتوحة على اتساعها. وهو أمر يبدو، للوهلة الأولى، انتصارًا جميلًا للكتابة، لكن كثرة ما يصل إلى الرفوف جعلتني أتسائل هل هناك ما يحرس قيمة الكتاب الحقيقي وسط هذا الاتساع كله؟
في سنوات مضت، كانت الكتابة فِعلًا إبداعيًا، وحرفة تميّز أصحابها، وكان الوصول إلى إنتاج كتاب أشبه برحلة جوية لا يسافر فيها إلا من امتلك تأشيرة الموهبة، وحدد اتجاه الرسالة، وحزم معه أمتعة اللغة والحكاية والصبر، ليصل إلى وجهةٍ تستحق أن تُقرأ.
وفي تلك الفترة أيضًا، كان الكاتب قبل أن يصبح كاتبًا، قارئًا طويل النفس، مشتعلًا باللغة، ومُصغيًا إلى إيقاع الجمل، ومدركًا كيف يكون بناء الفكرة والشخصية والحكاية. فيصبح الكتاب في صورته النهائية أشبه ببيت استغرق وقتًا طويلًا في تشييده، لم يكتفِ بجدرانه القائمة بقدر ما اعتنى بالروح التي تسكنه، والصور المعلّقة، والتفاصيل المحبوكة بدقّة، وتلك الغرف المغلقة، والسرائر المبعثرة، والحكايا الكثيرة العالقة في كل زواياه.
إلى أن تغيّر المشهد، وأصبح الوصول إلى النشر لا يستهلك أكثر من جهاز لطباعة الورق يقع في متناول الجميع، وتراجعت الحواجز التي كانت تفصل بين الكتابة والنشر، ولعلّ ذلك في صورته الخارجية قد يبدو بشكلٍ ما خطوة إيجابية، من منطلق أن الكتابة حق، والتعبير حق، ومن الجميل فعلاً أن يجد الإنسان نافذة يطل منها على الآخرين بما لديه من أفكار وتجارب وأسئلة.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: متى أصبح النشر متاحًا إلى الحد الذي أفقد الكتاب قيمته الحقيقية؟
فبين حرية أن تكتب، وحق أن تنشر، ومسؤولية أن تقدّم كتابًا للقرّاء، مسافة لا ينبغي أن تختفي.
التعليقات (0)