العمل في الحقل السياسي الدبلوماسي بقدر ما له من الإيجابيات، بقدر ما له من السلبيات، فهو سلاح ذو حدين، وليست الإيجابيات مرهونة بإنجاز العمل، وبذل الجهود والعطاء والدفاع عن النظام، انما ترتبط ارتباطا مباشرا في غالبية النظم السياسية بالولاءات للحزب أو للزعيم الحاكم، والتي قد ترتد عكسيا في حال تغير النظام، أو رحل الحاكم لأسباب مختلفة أو حدث انقلاب سياسي في بلد ما، عندئذ تنقلب الأمور رأسا على عقب، وتتحول الإيجابيات الى سلبيات، كما يمكن الخروج من المشهد السياسي أو الدبلوماسي في حال أخطأ هذا الوزير أو ذلك السفير في أمر ما، أو زل لسانه بخطأ في التعبير، أو تجاوز سقف ومحددات سياسة الرئيس أو الملك أو الأمير أو الشيخ أو الحزب الحاكم، وأوقعه فيما يتعارض مع اجندة النظام أو الحاكم، واذا حدث استثناءات، فإنها تعود للولاءات والحسابات الضيقة لصانع القرار. أول أمس الاثنين 24 آب / أغسطس الحالي، استدعت الخارجية الأميركية السفير الأميركي توم باراك من مقر عمله في العاصمة التركية أنقرة، بذريعة إجراء "مشاورات"، حسبما زعمت الصحفية والناشطة الأميركية اليمينية لورا لومر، المقربة من الرئيس دونالد ترمب. وكتبت في منشور لها على منصة "إكس" ذات اليوم، أن استدعاء باراك جاء "بعد أن تسبب في أزمة دولية نهاية الأسبوع الماضي (الجمعة 21 أغسطس)، وكاد أن يُشعل حربا إقليمية بين إسرائيل وتركيا وسوريا ب "اتهامه" إسرائيل "زورا" باحتلال مرتفعات الجولان بشكل غير قانوني." ونقلت عن مصدر مسؤول في الخارجية الأميركية قوله لها حول السفير باراك وصديق الرئيس ترمب:" نريد رحيله بشدة و"فورا"، لدرجة أننا قد نستعين بشركة نقل لتوضيب أمتعته." وأضافت الصحفية لومر الى أن باراك " قد لا يتمكن من العودة الى تركيا"، وتابعت "ليس لنا الا أن نأمل بأن نكون محظوظين الى هذا الحد." وفي وقت سابق وصفت لومر باراك بأنه "أسوأ سفير رشحه الرئيس ترمب"، وترى أن عليه الاستقالة بسبب ما وصفته ب "افتقاره الى فهم السياسة الخارجية الأميركية." رغم أن باراك كان يشغل منصب المبعوث الأميركي الى سوريا، فضلا عن منصب السفير في تركيا. و"الخطيئة" التي ارتكبها (وهي صحيحة جدا، وتنسجم مع الوقائع والثوابت التاريخية، وتتوافق مع قرارات الشرعية الدولية) وفق معايير سياسة رئيس الادارة الأميركية، أنه صرح في مقابلة صحفية: إن إسرائيل "لا تزال تحتل الجولان السوري خلافا لقرارات الأمم المتحدة والنظام الدولي الذي نص على أن الجولان ملك لسوريا." مما أثار تصريحه موجة من ردود الأفعال والانتقادات والدعوات المطالبة بإقالته، ورغم أنه تراجع عن موقفه، مؤكدا أن ما قاله كان وصفا للوضع التاريخي للمنطقة، و"ليس تأييدا لموقف الأمم المتحدة" بشأن الجولان، وأضاف "حددت سياسة الولايات المتحدة بشأن الجولان من جانب الرئيس ترمب في عام 2019، ولم تتغير." لكن سبق السيف العذل، ووقع باراك فريسة زلة لسانه، أو بتعبير أدق، كونه نطق بالحقيقة الدامغة المنسجمة مع قرارات الشرعية الدولية، وحقائق التاريخ، حيث احتلت الجولان في هزيمة حزيران / يونيو 1967، ومازالت محتلة حتى الان، ومن خطايا الرئيس ترمب في ولايته الأولى، إصداره مرسوما اعترف فيه بسيادة إسرائيل على الجولان في 25 اذار / مارس 2019، بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن. وهذا المرسوم يتنافى مع ابسط معايير القانون الدولي، ويتنافى مع الاخلاق والقيم الدولية، وساهم في تعميق الصراع، ولم يحله، وبغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في سوريا، فأن الجولان كانت وستبقى سورية عربية، كما دولة فلسطين وعاصمتها القدس المحتلة في ذات الهزيمة آنفة الذكر. بالعودة لتجربة السفير الأميركي باراك، وقع ولن يجد من يسمي عليه، ولكن ردا على ما كتبت الصحفية لومر، ما صرح به المبعوث الأميركي لسوريا، لم يفتعل أزمة الا داخل دائرة الإدارة الأميركية، وفي الأوساط الإسرائيلية من الموالاة والمعارضة، ولعلم الصحفية فإن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التقى مع رئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في العاصمة الأردنية عمان يوم الاحد 23 أغسطس الحالي، وتركيا ليست بعيدة عن اللقاء وترتيباته، بحكم العلاقات التحالفية مع نظام أحمد الشرع السوري، وبالتالي الازمة وتضخيمها محصورة في نطاق البيت الأبيض، والهدف عزل الرجل ليس لأنه غبي، انما لتحقيق غاية وأجندة خصومه. هكذا هي السياسة والدبلوماسية، قد تنام في موقع، وقد تصبح بين لحظة وأخرى في موقع اخر، لا ثابت في السياسة، ولا ثابت للعاملين في دروبها.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)