بعد انقضاء ستة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ما زالت لغة التصعيد، والتهديد والوعيد، تهمين على خطاب الأطراف المتحاربة، من دون أن ينجح قرع طبول الحرب في إطفاء جهود الوسطاء أو إصابة الدبلوماسية في مقتل. لكأننا ما زلنا، وربما سنبقى لردح من الوقت، أمام "سباق المسافات الطويلة" بين مساري التصعيد والتهدئة، ومن دون أن تلوح في الأفق المنظور، بوادر انفراج جذري، يفتح بابا للأمل بتسوية شاملة، تضع حدا لأزمة طالت واستطالت، وطاولت شظاياها الحربية والاقتصادية، الإقليم، بل العالم بأسره.
من أقصى الضغوط العسكرية، إلى أقصى الضغوط الاقتصادية، تتنقل إدارة ترمب من أداة إلى أخرى في حربها على إيران، وأحسب أن جعبتها لم تخل بعد، من الأوراق والأدوات، على أن الأخيرة أقلها كلفة على الولايات المتحدة وأكثرها كلفة على طهران، وفي خلفية المشهد، ما زال الحشد العسكري الأمريكي على الأبواب، وما زال البنتاغون يعمل جاهدا على ملء مستودعاته من العتاد والذخيرة، التي كادت تفرغ بفعل حربي إيران، وأوكرانيا.
في المقابل، ما زالت طهران على عهد التحدي لواشنطن وإجراءاتها: التصعيد مقابل التصعيد، سنضرب كل من ينخرط في حرب واشنطن الاقتصادية، الحصار إعلان حرب، سيقابل بردود من غير طبيعته، في إشارة لخيار اللجوء للقوة العسكرية لإغلاق المضيق، وضرب مصادر الطاقة وطرق تصديرها في عموم المنطقة. الإقليم، واقتصادات العالم، ما زالا يقفان على قدم واحدة، ويحبسان أنفاسهما.
في هذا السياق، لا يبدو أمرا مستهجنا أن يتزامن وصول الوسطاء إلى طهران، الجنرال الباكستاني عاصم منير، والوزير العماني، قبيل ساعات من إعلان الخزانة الأمريكية عن أقصى عقوبات في التاريخ تفرض على بلد بعينه، وعلى البلدان والكيانات التي تتعامل معه، إن هي لم تصدع لما تأمر به واشنطن. هي ذروة جديدة، ونقطة علام إضافية على مضمار السباق بين الحرب والدبلوماسية.
إدارة ترمب، وبعد قرابة العامين من انخراطها العميق أو السطحي، في أزمات المنطقة خلصت إلى نتيجة جوهرية مفادها: أن لا جدوى من التفاوض مع السياسيين والدبلوماسيين، حتى وإن تدثروا برداء الشرعية وحملوا أرفع الألقاب الحكومية، فالمفاوضات لكي تكون جدية وذات جدوى، لا بد أن ينخرط بها بفاعلية، من بيده قرار الحرب والسلم
على مسار مواز لمسار التصعيد السائد، تتفاعل خلف الأبواب المغلقة، عناصر سيناريو محتمل، يتخطى حالة اللاحرب واللاسلم القائمة، والتي قد تستمر لوقت يطول أو يقصر، مثلما يتخطى سيناريو التسويات الجزئية والهدنات المؤقتة، ما هو مبرم منها، أو ممتد بفعل الأمر الواقع.. سيناريو قد يذهب أبعد مما يمكن تخيله في اللحظة الراهنة، صوب ضفاف "التسوية الشاملة".
التعليقات (0)