في المشهد الفلسطيني الراهن، لم تعد الانتخابات المحلية مجرد استحقاق ديمقراطي دوري، بل تحولت إلى مرآة صادقة تعكس عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي بكل مكوناته، ما يجري على الأرض اليوم يتجاوز كونه تنافساً انتخابياً، ليكشف عن اختلالات بنيوية تضرب فكرة التمثيل الشعبي في جوهرها، وتعيد تعريف العملية الانتخابية بوصفها أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم، لا تغييره.
حين تُحسم الانتخابات بالتزكية نتيجة انسحاب بعض القوائم أو دفعها إلى الانسحاب، فإننا لا نكون أمام ديمقراطية حتى وإن اكتملت الشكليات القانونية، التزكية في سياق كهذا ليست تعبيراً عن توافق وطني، بل نتيجة بيئة سياسية مختلة، يشعر فيها الفاعلون أن الدخول في المنافسة محكوم بنتائج مسبقة، أو بتكلفة سياسية وتنظيمية لا يمكن تحملها، وهنا تتحول صناديق الاقتراع إلى مجرد تفصيل شكلي، في مشهد محسوم قبل أن يبدأ.
الأخطر من ذلك، أن هذه الانتخابات، بدل أن تكون ساحة لتعددية سياسية حقيقية، باتت محصورة عملياً داخل إطار واحد، حيث يغيب حضور الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة، ويقتصر التنافس على أجنحة داخل الحركة الحاكمة نفسها، هذا الانغلاق يحرم المجتمع من خيارات سياسية متنوعة، ويُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها كأداة لتداول السلطة، ليجعلها أقرب إلى إدارة صراع داخلي على النفوذ والمواقع. أخبار ذات صلة تدريب 64 مرشحًا في دير البلح استعدادًا للانتخابات المحلية "أطباء بلا حدود": غزة تختنق رغم مرور 6 أشهر على وقف إطلاق النار
في موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يزيد المشهد تعقيداً، وهو دخول شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو متهمة بالفساد إلى قوائم الترشح، هذا التداخل بين السلطة التنفيذية والمجال المدني لا يمكن فصله عن أزمة الحوكمة الأوسع، حيث تختلط الحدود بين من يُفترض أن يراقب ومن يُفترض أن يُراقَب، ومع غياب المساءلة الحقيقية، يصبح ترشح هذه الشخصيات مؤشراً على اختلال موازين العدالة، لا على حيوية الحياة السياسية.
ولا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي الذي يفرض نفسه بقوة، حيث تطغى الاعتبارات العشائرية والعائلية على حساب البرامج السياسية والرؤى الوطنية، في ظل غياب الأحزاب، تتحول الانتخابات إلى ساحة تنافس بين العائلات الكبرى، وتُختزل السياسة في شبكة علاقات اجتماعية ضيقة، تعيد إنتاج الانقسام المجتمعي بدلاً من تجاوزه.
أما الحديث عن تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل السلطة لرفع مرشحين وإقصاء آخرين، فهو إن صحّ، يضرب ما تبقى من ثقة الجمهور الذي هي مفقودة اصلا، إذ كيف يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة في ظل شعور عام بأن قواعد اللعبة لا تُحترم، وأن الفرص ليست متكافئة؟ في هذه الحالة، لا تكون النتائج تعبيراً عن إرادة الناخبين، بل عن موازين القوة داخل النظام.
💬 التعليقات (0)